اللقاء مع الضوء
ضيفة الموقع: الدكتورة ريم هلال
استيقظت من الصباح الباكر على غير عادتي ...استعداداً للقائي مع الضوء كما وعدتكم ....
لكن روحي الواجفة الفارغة من الإحساس سربت لي الكثير من المخاوف ، ماذا سأقول وبماذا سأبدأ ولا شيء يغني مخيلتي ... حينها دعاني عصفور صغير للتنزه معه صباحاً ؟!
العصفور:هلمي نصبح على أشجار المشمش .... هلمي نزُور أمواج السنونو .... هلمي نحتسِي قهوة الشمس ...
لانا: مشغولة ... مضطربة ... لا شيء في رأسي علي أن أعد للقاء !
ضحك العصفور على سذاجتي وقال: وماذا عن الطقس ؟!ألا تتفقديه هو الآخر? أليس عليك أن ترتبي أفكار نيسان ... تعدي أزهار نيسان ... تقبلي نسمات نيسان ... اليوم وصل لأجل اللقاء ... تعالي معي نعمل معاً !
خرجت ... واستفقت ... وامتلأت .... واحترقت .... واحتضرت .... ثم بعثت من جديد بحماس البحر وهمة الطير وعبق الزهر....بعثت من جديد في أول نيسان!
الساعة العاشرة والنصف صباحاً وصلنا مكتب الدكتورة ريم هلال أنا والأستاذ فؤاد حكيم وزوجته السيدة ندى فهدة ... استقبلنا فنجان قهوتها بترحيب دافئ لذيذ.. وجلسنا طويلاً كعائلة التمَّ شملها بعد فراق طويل ...
والآن ليتفضل الجميع إلى لقائنا ..
لانا : صباح الخير ... تحية بسيطة غنية لمن كانت تحيتك الصباحية الأولى دكتورة ريم ؟
(فاجأني جوابها الذي بدا وكأنه قراءة لخواطري الصباحية )
د.ريم : لشهر نيسان ...اليوم استيقظت فوجدت الطقس دافئاً والبرودة قد انحسرت عن المدينة .... لذلك قلت صباح الخير لهذا الصباح الدافئ ... صباح الخير لهذا الشهر ولاسيما أنه شهر مولدي ...

لانا : إذا الدكتورة من مواليد نيسان .. في أي يوم ولدتِ؟ وما هو إحساسك بيوم مولدك؟!
د.ريم : إنه يوم 19 نيسان...استغرب كآبة الناس في ذكرى ميلادهم... إن يوم مولدي يشعرني بابتهاج عميق ... في مثل هذا اليوم وجدت ، وهذا الأمر يحملني على التأمل ، فهو يمثل انتقالي من العدم إلى الوجود ، ولاسيما أن هذا الوجود مع الزهر مع الشجر ...
أ. فؤاد : لاحظت من خلال قراءتي للبصر والبصيرة أنك قد ذكرت ميلادك بالتفصيل (في التاسع عشر من نيسان عام ستين وتسعمئة وألف ، كان المساء قد غطى تماماً مدينة اللاذقية حين قدمتُ مولودة أولى لوالديَّ )
الأنثى عادة لا تفصح عن مولدها ؟ ما هو سبب إفصاحك دكتورة ريم ؟!
د.ريم : أتساءل دائما هل عمر مدينة أو عمر منحوتة أو لوحة عندما يكون كبيراً هل ينقص من قيمتها ؟!
بل على العكس تماماً لذلك أنا أفخر بتلك السنوات التي عبرت من خلالها هذه التجربة الطويلة ، ربما هناك إحساس بالانزعاج ينتاب أي إنسان يوم ميلاده ذكراً كان أم أنثى لأنه اقترب من النهاية!
لكن بالنسبة لي أشعر بأن تجربتي الحياتية والإبداعية هي تجربة لما بعد حياتي أنا لا أفكر فقط بالناس الذين يعاصرونني بل بالناس الذين سيقرأوني بعد رحيلي ...
لانا : يقولون أن الفصل الذي نتكون فيه والذي نولد فيه يترك بصمة واضحة في شخصيتنا ، هل تعتقدين أن إبداعك الأدبي تأثر بالربيع فعلاً ؟
د.ريم : أي نص نبدعه يشكل حالة تفتق ربيعي بعد فترة ما قبل الكتابة والتي تمثل حالة من الكمون الشتائي لذلك أعتقد أن هناك نوعاً من التوحد ما بين الربيع والإبداع ...

لانا : دكتورة ريم أود في بداية اللقاء أن أركز على جميع جوانبك ( ريم الأديبة ، ريم الإنسانة ، ريم المحبة ..)
لنبدأ أولاً بالأديبة ، ما هو السر الذي جعلك تعتنقين القصيدة النثرية مذهباً أدبياً ؟ لاحظت أنها تحتل القسم الأعظم من أعمالك باستثناء سيرتك الذاتية
د.ريم : وجدت فيها الحرية فأنا أريد أن أبدع لكن دون أن أتقيد بأوزان وقوافٍ. فالحرية تستطيع أن تحتوي الإبداع الحقيقي الذي أريده ... من الممكن أن أتقيد بوزن أو موسيقا أو إيقاع لكن أفضل أن يكون هذا التقييد أو هذا الإيقاع من الداخل وليس من الخارج فقصيدة النثر أعطتني حرية .... فأنا لا أقبل أن يأتي الفراهيدي أو غيره ويقول لي حدودك هنا فحدودي ليست هنا ....
*أنا لا أقرب الأوزان والقوافي
لأنني لا أتقن لغة السلاسل
لانا : إذا أنت تحبين الفضاء الواسع لأفكارك ... طالما أنك اخترت الرحابة لماذا هذه الكلمات القليلة ؟ نفتح الصفحة فنرى مقطعاً صغيراً يحتل وسط الصفحة لماذا؟
د.ريم : العمر المديد هو عبارة عن لحظات ... الآن نجلس في جلسة جميلة وبعد قليل لن نكون هنا ... صحيح هناك ترابط بين اللحظات لكن الحياة هكذا عبارة عن ومضات تشبه ومضة البرق التي تمر خلال لحظة قصيرة لكنها تترك لنا أثراً كبيراً وكذلك القصيدة بالنسبة للقارئ ، فالنص القصير شيفرة مشاعر تختصر الكثير ... أحياناً نقرأ حكاية كاملة بمئات الصفحات ونجد أنها تختصر ببضعة كلمات فقط... لماذا أطيل إذا ؟!
لانا : ماذا عن الأثر الذي تركته مؤلفاتك في نفس ريم وليس في نفس قرائها ...
سأبدأ أولاً بالعرافة المجموعة الشعرية الأولى التي قدمتها.. ماذا تعني لك؟
د.ريم : العرافة جسدت يوم ميلادي أقصد يوم آخر لميلادي فأنا في 19 نيسان انتقلت من العدم إلى الوجود وكذلك يوم إصدار كتاب العرافة انتقلت من اللاشاعرة إلى الشاعرة ومن اللاأديبة إلى الأديبة..
لانا : ماذا عن المجموعة الثانية كل آفاقي لأغنياتك ؟
د.ريم : إنه كان بالنسبة إلي تأكيداً لشاعريتي فحين حققت العرافة النجاح اعتقدت أنها مجرد( مزحة) أو أنها مجاملة للأديب السوري الكبير حنا مينة الذي قدم العرافة بقلمه
لانا : اسمي والأرض عنوان ملفت فعلاً لما يحمله من التشبث بالأرض ماذا عنه؟
د. ريم : في فصل شتائي الأدبي ( فترة الكمون ) وقبل ظهور موهبتي التي أردتها ، قبل ظهور قصيدتي التي تحمل طابعي تحمل ذاتي رأيت في حلمي أنني أكتب قصيدة عنوانها اسمي والمدينة ... وحين كنت أهم بوضع عنوان المجموعة الثالثة تذكرت هذا الحلم
وتساءلت لماذا لم أتذكره منذ المجموعة الأولى كي أحققه حين قررت وضع العنوان اسمي والمدينة قلت لا ......
فأنا إنسانياً وأدبياً وإبداعياً لا يفترض بي أن أكون مرتبطة ببقعة معينة أياً كانت سواء مدينة أو دولة ....إبداعي ليس منحصراً ضمن مكان أو زمان أو حتى مجموعة بشرية بل أنا وإبداعي لهذه الأرض لهذا الأفق الواسع ... كم أتمنى في يوم من الأيام أن يقرأني كل البشر طبعاً أعرف تماماً أنه حلم بعيد لكنه حلمي ...
لانا : الآن سأنتقل إلى العمل الأثير لديك ذلك العمل الذي وصفته في مفكرتك (دون سواه الوحيد الذي ضممتُه إلى صدري ، وهو دون سواه الوحيد الذي تعطرتُ له و تجملتُ ) طبعاً أقصد سيرتك الذاتية البصر والبصيرة ؟
د.ريم : صحيح ..أنا لو تركت لي من دون أن تقرأي وسألتني عن مكانة البصر والبصيرة كنت سأقول باختصار
بكلمات قليلة مؤلفي الوحيد الذي ضممته إلى صدري لأنه يشكل ذاتي الورقية
مداخلة من الأستاذ فؤاد بحماس القارئ المتأثر إلى حد بعيد : ابنك البكر كما أعتقد حتى لو كان لك أبناء قبله أليس كذلك ؟
تكمل الدكتورة ريم : صحيح فالبصر والبصيرة هو محطة لا أعتقد أنها ستتكرر لأن ذاتي وحياتي صببتها في هذا الكتاب ... كتاب بوحي ... وتعقيباً على رأي الأستاذ فؤاد ابن الإنسان هو ذاته مجسدةً في طفل وكذلك البصر والبصيرة هو ابني وابنتي هو ذاتي مجسدة في ذات ورقية ( مجلدة ورقية ).

لانا : هنا أريد أن أترك الحديث للأستاذ فؤاد فهو أخبرني ان لديه تعليقاً أو ربما اقتراحاً حول هذا الكتاب
( عمو فؤاد (اطلع فيني بعتب : لك له يا لانا بلشتي تخربطي دخلت صح هلأ خلطت بين ريم الأديبة وريم بنت اللاذقية ... بارتباك مني وبتلعثم واضح بكل الأحرف يعني بتحب كمل عمو ... لا خلص طالما بلشنا بهالموضوع خلينا نكمل ، طبعا بدي خبركن أنو عمو فؤاد كان منقذ لمواقفنا جميعاً بهاللقاء وهلأ بعد شوي رح خبركن عن الموقف التاني يلي أنقذو.. ترقبوا )
أ. فؤاد : أنا قرأت البصر والبصيرة عام 2006 حين كنت قد أهديته لأحمد باكير-مدير موقع لاتاكيا اون لاين-
( طبعاً قبل ما يكملوا كنت أنا لاطشوا منو ) المهم وجدت فيه ما يخصني تماماً ويعنيني شخصياً .. كذلك وجدت المعانات التي مررت بها حتى وصلت مهنياً ودراسياً وأدبياً لما أنت عليه الآن ..
فأنت مثلاً كما هو معروف اصطدمت بالكثير من العقبات حين طلبت تعيينك أستاذة جامعية إلى أن وصل أمرك لرئيس الجمهورية الذي حل لك المشكلة، لذلك كنت أود أن اقترح عليك فكرة الترشح لعضوية مجلس الشعب
د. ريم : مجلس الشعب!! قالتها ضاحكة متفاجئة ، فأخبرها الأستاذ فؤاد: أنا جدي تماماً بكل كلمة أقولها فريم بنت اللاذقية والتي أصبحت الآن منارة من مناراتها ... عليها ألا تسمح بمعاناة مماثلة لمعاناتها وتجربتها .. بل يجب وضع ضوابط وسن قوانين للحد من معاناة أشخاص لديهم احتياجات خاصة هذا من ناحية ومن ناحية ثانية أنا نفسي لا أجد أحداً من اللاذقية يستطيع إيصال صوتي للحكومة أكثر من ريم هلال .. يعني إنسانة بثقافتك وبقدرتك على التعبير بعمرك بتاريخك كل هذا يشكل قاعدة بيانات هامة للترشيح وتمثيل اللاذقية
د. ريم : أنا شخصيا أنفر من المناصب ..
كما أنني لو ترشحت سأكون صوتاً واحد من الأصوات في حين أنني لدى ظهوري من خلال وسائل الإعلام أمثل كل الصوت ..و أعتقد أنه حين وضع قانون المكفوفين الذي سمح لهم أن يعينوا أساتذة في الجامعات خيل إلي أن ذلك كان تلبية لنداءاتي المستمرة عبر الصحافة عبر التلفزيون عبر السيدة أسماء ... كذلك حين يكون لدي شيء أقوله ليس من الضروري أن أقوله في مجلس الشعب ليس من الضروري أن أدخل هذا الباب ما دامت هناك أبواب كثيرة فمن خلال كتاباتي أطرح ما أريد ، أما مجلس الشعب فأعتقد أنه سيقيدني بآراء الآخرين الكثيرين.
أ . فؤاد : هذا خيارك طبعاً لكن هذه وجهة نظري.. على كل حال فكري جدياً بالموضوع ، سؤال آخر عن البصر والبصيرة في نهاية الكتاب ألقيت التحية على الأخيار الذين مروا في حياتك ، لكنك بالمقابل سلمت على الأشرار لماذا؟
د. ريم : كان سلامي على الأشرار لأن وجودهم حقق التكامل لقصتي فلولاهم لما تحسست وجود الأخيار ..
لكن بالنسبة للذين مروا في حياتي من أخيار وأشرار أعتقد أن الأغلبية كانت للأخيار لذلك أنا متفائلة بالبشر ..
أ . فؤاد : ذكرت بالبصر والبصيرة أن والدك سألك ذات مرة بابتسام صامت .. سؤالي كيف رأيت تلك الابتسامة الصامتة؟؟
د .ريم : ببصيرتي التي تحدثت عنها .. فمن خلالها أرى الابتسام.. أرى الحزن.. أرى النفس البشرية بكل صورها وانفعالاتها
لانا : دكتورة أريد أن أتوقف قليلاً هنا عند لقائك بالسيدة الأولى أسماء الأسد .. أعتقد أن موضوع المكفوفين أو لنقل المعوقين بصورة شاملة قد شغل حيزاً هاماً في حوارك معها ... ماذا اقترحت على السيدة الأولى ؟
د. ريم : فعلاً أنا شرحت للسيدة أسماء عن تجربتي الشخصية وعن العقبات التي اجتزتها لذلك ناشدتها أن لا تتكرر هذه العقبات في طريق من عدوني قدوة ولن أذهب بعيداً أختي رفيف التي تصغرني بالسن أو حتى غيرها من الأشخاص المعوقين لا تسمحوا لهم أن يتراجعوا أو يتقهقروا بعد أن شجعتهم تجربتي و جعلتهم يتقدمون إلى الأمام... كذلك أخبرتها أمراً آخر وهو أن التعليم أو العمل يعني حصول هذا الإنسان المعوق على راتب أي إنسا ن يحتاج إلى راتب ، فما بالك بالمعوق الذي يحتاج دائما إلى مرافق يسانده فالحاجة هنا مزدوجة ...
( توضيح : الدكتورة رفيف هلال شقيقة الدكتورة ريم وهي تعاني من نفس الحالة وهي أيضاً دكتورة بالأدب العربي وتعمل الآن صحفية في جريدة الوحدة )
عقبت على كلامها : استغرب حقاَ هذه العقبات التي تضعها الدولة أقصد أي دولة فهناك نظرة عالمية تتخوف من عمل المعوق ... حقاً أنه شيء غريب فالإنسان إذا كان بهذه الثقافة وهذه القدرة على تجاوز المصاعب أعتقد أنه الأقدر على تعليم الناس ليس فقط أدباً أو أي مجال آخر بل أن يدرسهم مبادئ الإنسانية ، كذلك أعتقد أنه ليس علينا استخدام كلمة معوقين فهناك كلمات أخرى منصفة أكثر وقد وجدت في مفكرتك دكتورة لفتة إلى ضرورة تغيير هذه المفردات وهي قولك ( هذه هي المرة الأولى التي ألاحظ فيها انتقال كلمة ( بصير ) من إطارها المعجمي إلى إطار الاستخدام اللغوي . كم اغتبطتُ ببزوغ هذه الكلمة ، ووجدتُ فيها ما هو أكثر لياقة من كلمة كفيف أو مكفوف أو ضرير أو أعمى أو عبارة ” إنه لا يرى ” . ليتها تشيع ، ولا تبقى حبيسة ضمن إطار ذلك الذي أحياها ، أو ليته يشيع التنبه إلى ما تدل عليه من أن الذي لا يرى بعينيه هو الذي يرى ) برأيك كيف نستطيع من خلال الأدب أو الثقافة تغير هذه المسميات الراسخة في المجتمع ؟
د . ريم : لغةً موجودة هذه المسميات, مثلاً ,البصير هو الكفيف كما أطلق عليه قديماً كذلك أطلق على الملدوغ من الأفعى كلمة سليم ، إذا العرب القدماء تنبهوا إلى ضرورة التعويض .. التعويض المعنوي ..إلى ضرورة رفع معنويات من لديه حالة خاصة من خلال اللغة .. ولذلك وضعت عنوان البصر والبصيرة وأقصد هنا صحيح أن البصر فقد ولكن البصيرة توقدت.. وبصورة معبرة أكثر وبشفافية أكثر أقول : الله يأخذ شيئاً.. لكنه يعطي أشياء ,الله يغلق باباً لكنه يفتح أبواباً ... وما دام كل إنسان على الأرض ينقصه شيء ما فإن كل معوق لا محالة... فهذا الإنسان المبصر الذي لديه نقص آخر ماذا نقول عنه.. إذا إما أن نكون نحن الإثنين معوقان أو نكون سليمين..
وهنا يستحضرني رأي جميل جداً استوقفني.. كنت استمع إلى حوار تلفزيوني حول المعوقين .. تساءل أحدهم : لماذا تعتبرون المعوقين هم أصحاب العاهات .. لماذا لا تعتبرون الأناس الذين في الوراء الوراء.. اللصوص العملاء الجواسيس عديمي الشرف لماذا لا تعتبرونهم معوقين.. هؤلاء أصحاب النقص الذي لا يعوض فالإنسان الذي يفقد شرفه يفقد كل شيء.. هذا هو المعوق الحقيقي
عقب الأستاذ فؤاد على هذا القول الذي هزنا جميعا بأن الإعاقة النفسية قد تكون مؤثرة على المجتمع ككل ..
لانا : عودة لمؤلفات الدكتورة ريم .... "تساؤلاتي" والتي أخبرتني من قبل عن أثرها الكبير في نفسك ... لذلك لن أسألك عن ذلك بل سأعيد طرح بعض تساؤلاتك عليك وأجيبي أنت .... ما رأيك ؟! وهل حاولت من قبل الإجابة على أحد تساؤلاتك؟؟
د.ريم : أبداً .... لكن توقعت أن يجيب أحد عنها بطريقة فلسفية مواكبة لطريقة طرح ما تساءلت عنه.
لانا : جميل جداً أعتقد أن ذلك سيمنحنا حواراً رائعاً .... لكن هذه المرة سأترك الإجابة لك ، السؤال الأول : باعتبار أنك ولدت في عائلة موسيقية وعاصرت الكثير من الموسيقيين و بحكم تجربتك القديمة في الغناء ( ما موسيقى البياض ؟) كما تساءلت ريم ، ما هو أقرب لون موسيقي للبياض ؟
د .ريم : البياض أو الأبيض هو لوني المفضل .. هو لون نفسي لون داخلي الذي أشعر بأنه خالٍ من الشوائب ،هل أستطيع الاكتفاء بهذه الإجابة؟!
لانا : أكيد إذا نستطيع أن نقول إن الموسيقا تلك هي نفسك ..... ننتقل إلى التساؤل الآخر وهنا اسمحي لي أن أحرف في كلمة من تساؤلك ( ألا ترمق الجوهرة بريقها ؟) لأقول : ألا ترمق ريم بريقها ؟
د. ريم : ( بتهرب جميل كما عقب الأستاذ فؤاد ) .. أنت جوهرة والأستاذ فؤاد جوهرة وزوجته جوهرة ....
في رأيي أي إنسان يتجه نحو الضياء هو في طريقه إلى التجوهر ...
ربما لست من الناس الذين يرتدون المصاغ كثيراً .. لكنني دائماً أتطلع إلى ذهب الروح.. إلى ألماس الفكر.. إلى لؤلؤة النفس.. وعلى هذا المقياس كل إنسان يمكن أن يكون جوهرة وبالنسبة لي كم أتمنى أن أكون جوهرة
جواب جميل لكن هل يفلت منا سؤال ؟! أبدا ..
يعيد الأستاذ فؤاد طرح السؤال ..... د. ريم : أتمنى أن يكون لي بريق حتى أرمقه.
أ. فؤاد : دون شك لك بريق وإلا لما أتينا إليك .
لانا : ..دكتورة سبق أن أخبرتني قصة مكتوبة في مفكرتك عن فيليمون وهبة تقول (استمع إليّ ( فيليمون وهبة ) مؤدية أحد ألحانه ، فأخذ يردد في أثناء ذلك كلمة ” الله ” . وبالرغم مما عنى فعله هذا من إعجابه الواضح بصوتي ، فقد رحتُ أسائل نفسي : كيف يمكن لإنسان أن يبدي مثل هذا التأثر العميق لدى إنصاته إلى عمل قد أبدعه هو نفسه ؟ وهكذا .. إلى أن أصبحتُ اليوم أديبة ، ورأيتُني تعلمتُ من أستاذي الفني ألا أعُدّ نفسي قد أنجزتُ نصاً ، إلا إذا أخذتُ تلقائياً أردد حياله : الله ـ الله ) ألم يرمق هنا الفنان الكبير فلمون بريقه كما قلت ؟!
د. ريم : إذا أردت الآن أن أقرأ من كتاباتي فأنا أتحول من أديبة إلى ناقدة أحياناً أقول لذاتي الله وأهتز لما كتبت وأحياناً أخرى أخبرها أنه كان يتوجب على النص أن يرتفع إلى مستوى أعلى وبخاصة في أعمالي الأولى ..
أ . فؤاد : لو سنحت لك الفرصة لتعديل كتاباتك هل تعدلينها أو تحتفظين بها كما هي كتجارب أولى ؟!
د .ريم : أحتفظ بها وبنفس الوقت يمكن أن أعدل عن طريق وضع نصي الأصلي ومقابله النص الجديد ، فأنا لا أحب أن أخفي تعثراتي الأدبية الطفولية الشبيهة بتعثرات الأطفال.
لانا : سؤال آخر من تساؤلاتك ( بماذا يهمس المساء إلى نوافذي ؟!)
د . ريم : برأيي الصوت المرتفع لا يسمعنا شيئاً لذلك أنتظر قدوم الليل الذي يسكنه الصمت
فأنا أشعر بأن الفارق ما بين الهمس والضجيج هو بالنسبة إلي بمثابة الفارق بين الصباح والمساء
فالمساء يهمس إلي بتأملات كونية يهمس إلي بالهدوء الذي يحجبه الضجيج ..
لانا : ننتقل الآن إلى عملك الأدبي التالي ( بين شرفتي والبحر ) كنت قد كتبت في لا تبصر النور أن هوية الدكتورة ريم مختومة بزرقة البحر كجميع أهل اللاذقية , لماذا اخترت هذا العنوان على رغم احتواء العمل على مواضيع شتى لا تتعلق بالبحر ؟!
د . ريم : إن شرفتي تطل على البحر هكذا يقال لي .. هكذا يقال لبصيرتي .. لا أراه .. لا أميزه لكنني أدركه بتلك البصيرة، فحين أركن إلى هذه الشرفة أبدع الكثير من النصوص ومن ضمنها تساؤلاتي لذلك ما بين هذه الشرفة التي أتحسسها والبحر الذي أتحسسه بطريقتي الخاصة أعيش حالة من التأمل.. تأمل وسيط ما بين هذين الأفقين الشرفة والبحر..
لانا : هنا يستوقفني تعليق أو تساؤل طرحه عليك "بحر" ( على مقالة :لم تبصر النور )
( بحر : اسأليها من يؤنس البحر في وحدته .. ومن يستقبل أمواجه ويرسم له بسمته .. من يشاركه أحزانه أو حتى فرحته .. اسأليها من ذا الذي قد ينصت له أو يحاكيه بلغته ؟؟؟ )
د. ريم : استوقفني هذا الأمر كثيراً من قبل ، فهذا البحر لمن يغني ؟ لمن يطلق أنشودته الدائمة التي لا تنتهي؟.. وفعلاً لدي خاطرة أدبية تقول ( وإذ تغني البحار وحيدة .. لمن تغني ؟! أللسلام الذي يسامرها ؟!.. أم لنفسها كي تنام ؟! ) .. لذلك أخبري البحر أن هذا السؤال سبق أن طرحته على ذاتي ولم أجد إجابة ! فلنا إذا نحن الاثنين أنا والأستاذ بحر أن نسأل البحر...
لانا : قناديل ... هذا العمل الأدبي الذي يدور حول محور واحد ألا وهو الموت .. ماذا عنه ؟
د .ريم : لي صديقة اسمها د. زينة عبده ( دكتورة أخصائية في طب العيون والطب النفسي ) اعتبرها صديقتي الأولى فهي التي آنست وحدتي في المدرسة .. وحدتي في الطفولة ..
وكان قد حدث فراق قسري بيننا (لا إرادي ) لأنها سافرت بعد إنهائنا الدراسة المدرسية ..وبعد غربة طويلة عدنا إلى التواصل حنيناً إلى الطفولة فقد كانت تزورني دائماً حين تعود من فرنسا ...
ذات مرة أخبرتني أنها ستزورني بعد فترة قصيرة .. ورغم ذلك كان لدي سؤال في الطب النفسي طرحته عليها مباشرة على الهاتف – كأن الله أراد أن يطيل الحوار الهاتفي بيننا – لا أدري لماذا لم أنتظر لقائي معها ؟!
انتظرتها طويلاً بعد ذلك لكنها لم تفي بوعدها ! وبعد فترة جاءني هاتف من صديقة مشتركة لتخبرني أن زينة دخلت في سبات ... تأثرت كثيراً حينها وإلى اليوم منذ 5 سنوات لا زلت أذكرها ، طبعاً كانت قد رحلت بعد ذلك .
ومنذ ذلك اليوم وأنا أشعل لها قناديل قصائدي لعلها تعود إلى الأرض .. لعلها تبصر هذه القناديل ... لكن يبدو أنها اكتفت بالضياء السماوي ولم تعد ترى أضواء على الأرض لذلك خصصت هذه المجموعة للحديث عن زينة تارةً و عن الموت تارةً و عن تأملاتي في الحياة تارةً أخرى..
لانا : دكتورة ريم ألا تعتقدين أن العتم الذي يغمر الأرض من ظلم وجشع هو الذي يغطي قناديلك المبهرة بنورها ؟!
د. ريم : ربما لكن الضياء السماوي يغطي دائماً ضياء الدنيا الذي يبدو نحيلاً مهما توقد..
أ . فؤاد مؤكداً : ليس لدي أدنى شك أن صديقتك قد أبصرت قناديلك .. وقبلتها ( لدي قناعة شخصية أنني حين أضع وردة على قبر من أحب أنه سيشم عبير هذه الوردة ) فكما أنت تذكرينها دائماً وأنت على الأرض ... لا بد أنها في عالمها السماوي تذكرك.
وهنا روى لنا الأستاذ فؤاد قصة شقيقته التي توفيت شابة..عبر دموعه سمع سؤال والده : قبل أن تتوفى كنا نحبها.. هل توقف حبنا لها الآن؟؟ لا لن يقف طالما فينا عرق ينبض.. هذا ما شكل لديّ هذه القناعة.
( اسمح لي أ. فؤاد أن استحضر قنديلاً من قناديل ريم هلال أهديه لشقيقتك و لجميع من رحلوا )
*سُئلَتْ طفلةٌ عن كلمةٍ أخيرةٍ
إلى مستمعيها عَبْر الأثير
فأجابت :
كم أحبّكم جميعاً !
ليت كوكبنا صغيرتي
يصحو على شدوك النقيّ
ليتك تمكثين حيث أنتِ
لا تكبرين !
لانا : عملك الأخير ( طبعاً الأخير ليومنا هذا ) من مفكرتي .. لاحظت أنه أعطاك مساحات واسعة للتعبير عن كل تفاصيل الحياة السياسية والاجتماعية وحتى تفاصيل حياتك اليومية خاصة أنه خواطر نثرية .. بصراحة لكثرة ما لاحظت غنى هذه المفكرة توقفت عن قراءتها لأنها أجابت عم معظم أسألتي .. لكن ما استوقفني فيها تفاعلك مع الأحداث السياسية الذي بدا مختلفاً عن المواضيع الكونية التي كانت تلون أعمالك .
د.ريم : بتصوري إحساس الإنسان المرهف يشبه ريشة صغيرة .. يشبه وردة ملونة ..أي رياح تهب عليها ومن أي اتجاه حكماً ستؤثر فيها سواء كانت رياح بحرية أو أرضية .. فما بالك إذا كانت آتية من نار بندقية ..
صحيح أنني أتأثر وأتفاعل مع البحر مع الوردة مع الشمس .. لكن لا يمكن أبداً أن أتوقف عن التفاعل مع طفل يقتل ..ليس فقط طفل أنا ضد مقولة قتل طفل أو امرأة أو شيخ .. ماذا عن الرجل؟! .. ماذا عن الإنسان الذي يقتل دون أي ذنب ؟! لذلك شيء طبيعي أن اهتز لما يجري كقتل إنسان أو هدم منزل أو قطع شجرة ، فحين تقوم إسرائيل بقطع أشجار الزيتون وحرقها .أتساءل ما هو الذنب الذي ارتكبه الزيتون بحقها ؟ هل هو إرهابي أيضاً !. حتى ذلك العصفور الذي يقتل .. الوردة التي تقتل .. الفراشة التي تقتل .. ما ذنب هؤلاء جميعاً ..
في العراق جاؤوا كي يصلحوا .. جاؤوا كي يخلصوا العراق من رجل مستبد كما زعموا وإذا بهم يرسخون ..
هذا القانون اللاعدالي الذي يحكم العالم ..لذا شيء بديهي أن يستوقفني ذلك كما تستوقفني العاصفة..
أعتقد أننا نعيش حالة من الثأر الجاهلي حين يقتل إنسان في قبيلة ترد قبيلة أخرى لقتل المئات .. هذا ما يحدث باختصار !
لانا : في مفكرتك طرحت سؤالاً على رئيس الولايات المتحدة الأميركية حين قذف هيروشيما ، سألته ( هل أنت منتصر ؟ ) أعتقد أنه أصم أذنيه عن سؤالك لكن مع هذا ماذا تقولين له ولأمثاله ؟
د. ريم : أقول له أنت مهزوم هزيمة نكراء أمام الإنسانية .. أنا طرحت هذا التساؤل عليه ومع ذلك سأجيب عنه وأخبره : أنت مهزوم .. أنت منبوذ من الناس من البشرية من القانون الأخلاقي ..
ماذا ربح في النهاية ؟! لم يربح شيء .. خسر حياته وذهب إلى العالم الآخر وخسر نفسه أمام الجميع ..
لانا : سننتقل الآن إلى ريم الإنسانة.. ريم بين أصدقائها ... ريم بتلك الأسرة التي عودتها منذ نعومة أظفارها على جو تملأه الموسيقى و يغمره الفن .. سأبدأ هنا من بيت جدي ( جدنا المشترك أنا والدكتورة ريم (وجيه صفية) ) وسأترك هنا الحديث للأستاذ فؤاد الذي ولد في هذا البيت كما أخبرني ..
أ . فؤاد : فعلاً كان والدي قد استأجر طابقا في بيت جدك .. لكن للأسف لا أذكره كثيراً لأننا غادرناه حين كان عمري 3 سنوات ، لكن لي صورة أمامه أرجو ان اجدها كي انشر صورة هذا البيت العريق.. لا صورتي وأنا ابكي!!
لانا : أريد أن أنوه أن بيت جدي أصبح عنواناً لأغنية من كلمات الدكتورة ريم هلال وألحان وتوزيع الأستاذ خالد صفية وغناء الشابة نور صفية .. ماذا تقول هذه الأغنية ؟
د. ريم : كان لجدي بيت .... بين العناقيد والشروق
يزفه الله كل مساء ..... وشاحاً من النجوم الندية
يرش بابه كل صباح .... أمطاراً من اللحيظات الوردية
ثم غاب بيت جدي ... لا أدري إلى أين ؟
هام فهام فهام ... لا أدري في أي ليل ؟
هو ليس حمامة كي يطير ... ولا سفينة كي يغرق !
هو ليس غمامة كي يذوب ... ولا سنونواً كي يرحل !
أين غاب بيت جدي ؟!
فيه شممت عبق النعيم .... ألفيت جنتي العلِّية
قطفت أيامي عيداً .... ودمىً وحكايا ليلية
أين غاب بيت جدي ؟
من شموسه دفَّأت شتائي .... من فلِّه عطَّرت يديَّ
من بلابله هجَّأت صلاتي ..... من دوحه ملأت راحتيَّ
أين غاب بيت جدي ؟
كانت لي سلالمه شراعاً .... يحملني إلى ينابيع القمر
ويا لنهاراته تطوف بي .... عبر ملاعبه والدوالي والسمر
أين غاب بيت جدي ؟ أين ينام ؟
ليت طفولتي معي الآن .... كي تحملني إليه
ليتني أختلس مفاتيحها .... لأضم أنواره لعينيَّ ....
لانا : من الواضح أن علاقتك بالأماكن مميزة جداً .. أذكر أن لك خاطرة أخرى عن منزل طفولتك
د . ريم : نعم ( منذ عشرين عاماً ... حزمت كل حقائبي وغادرت بيتنا القديم ... إلا طفولتي نسيتها نائمة على سلالمه ..)
أ . فؤاد : ( بيت ريم بيت عامر ما بيفضى أبداً الفايت فايت والطالع طالع متل ما وصفتيه بالكتاب) هنا أريد أن أتوقف عند الفئة التي تركت بصمة فنية في حياتك من أدباء وفنانين .. فكما أخبرتنا الأديب حنا مينة والفنان فلمون وهبة كانا من أصدقاء العائلة وهنا تستحضرني قصيدة كتبها لك الشاعر جميل حسن:
يا ريمُ ! حبُّك لا شعري ولا قلمي تحيةُ الحب أغنى من رؤى الكَلِمِ
ياريمُ ! عمُّك قرطاسٌ وقافيةٌ من الحروف ، وقلبٌ سائح بفمِ
يغني غناه ، ويستهدي برحمته فالقلب قلبيَ مشغولٌ بسفك دمي
لمّا رأيتكِ في المحراب واقفةً رأيتُ فاطمة الزهراءَ في حلمي
ما هو الأثر الإبداعي الذي تركه هؤلاء الأدباء الكبار لديك طبعاً بالإضافة لوجود هذه البذرة الوراثية لديك .. لكن كيف ساهموا بجعل بذرتك تزهر وتتفتح ؟
د. ريم : لا زلت أذكر إحساسي حين كانوا يخبرونني بعبارة ( أتى أستاذ فيليمون ) .. إذ كنت أشعر بالابتهاج والفرح ولاسيما أنني خلال شهر كامل سافرت فيه إلى دمشق كي أتفرغ للغناء - طبعاً لم استمر بهذا المجال- كان يزورني باستمرار ...
كنت أتساءل دائماً كيف لهذا الفنان العملاق أن يأتي خصيصاً لزيارتي وأنا ما زلت في السادسة عشر من عمري .. كنت أعلل ذلك بأنني لربما أمتلك صوتاً جميلاً وهو يبحث عن أصوات جديدة ... لكن فيما بعد ومن خلال انخراطي بهذا المجال معه توضح لي أن الأستاذ فيليمون لو مرَّ بجانب ( التربيزا ) كان يكتب لها أغنية ، كان يشعرني بأنه حتى الأشياء البسيطة يمكن أن نستخرج منها أسرار خفية.. علمني بأن النص الأدبي مهما كان بسيطاً نستطيع تحويله من الحالة العرضية السطحية إلى الحالة الجوهرية العميقة.. لذلك أصبحت اتبع مذهبه فكل شيء يمر أمامي أحوله لقصيدة أو نص أدبي.. ومن هنا أعتقد أنه بالذات يشكل مركزاً لحياتي الإبداعية.
لانا : سننتقل الآن إلى عائلتك ... أعتقد أنك تنسبين نجاحك بمعظمه لوالدتك السيدة دعد صفية ووالدك الأستاذ عبد القادر هلال!؟
د. ريم : أنا مررت طبعاً بمعوقين كثيرين ... وأكثر ما يشعرني بالأسف حيال أيٍ منهم حين أجد أنه لم يتابع دراسته .. فإذا هو لم يحاول.. أين أهله ؟
فحين كنت صغيرة أذكر أني كنت ألح كثيراً على دخولي المدرسة ... أبي كان من أنصار التعليم في المنزل خوفاً علي من "بطش" الأطفال أما والدتي فرفضت ذلك وأصرت على دخولي المدرسة واستطاعت بالتعاون مع السيدة خديجة حكيم إقناع والدي..
* (بعد إخفاق محاولات أمي الكثيرة مع أبي لجأَتْ إلى ابنة عمتها السيدة ( خديجة حكيم ) التي لا تقل عن أمها ( دلال ) حناناً وتماسكاً في الشخصية وقدرة على إقناع الآخرين بحكمتها وآرائها السديدة . وبعد أيام قليلة من حوار جديٍّ أدارته السيدة مع أبي بدورها خفية عني لم أشعر وأنا جالسة بمفردي إلا وقد قدمت أمي إليّ من الردهة تخبرني بصوت يتهدج ابتهاجاً أن أبي وافق على إدخالي المدرسة ).
بالنسبة لأمي سأختصرها بثلاثة أحرف أ م ي ، ثلاثة أحرف هي عالمي الفسيح هي مركز هذا العالم بالنسبة لي .. طبعاً أبي له دور كبير في بنائي في تثقيفي لكن والدتي كان لها الدور الأكبر في فتح مزلاج هذا الباب الذي كان محكم الإغلاق ...
لا أنسى رندة أختي التي تصغرني بثلاث سنوات و التي اختيرت لتكون رفيقتي إلى المدرسة على الرغم من صغر سنها ،والأمر الذي يبعث على دهشتي إنها بدت جد متفهمة للموضوع ، مستوعبة إياه بكل سعة صدر وصبر وحنان ، ولم أتذكر أنها صدرَتْ عنها بهـذا الصدد كلمة واحدة تنم على احتجاج طفولي
أما أخي عمر فأستطيع القول بشأنه باختصار إن أي شيء نطلبه من عمر إلى الآن يشعره بالفرح ، كما قال زهير بن أبي سلمى ( كأنك تعطيه الذي أنت سائله ).
رفيف أتمنى لو أن أحداً غيري يعبر عن العلاقة التي بيننا .. حالة اندماج كامل .. حالة من التوائم رغم أنها تصغرني بإحدى عشرة سنة ..
ليعذرني من نسيته .. في حياتي الكثير من الأخيار .. قد أنسى بعضهم .. فعذراً..
لانا : سننتقل الآن إلى ريم المحبة أو ريم الحب ... سؤالي ببساطة لم هذا الكم من الفراق بمئة ورقة وورقة ( أشعار حب )
أين اللقاء في أوراقك هذا ؟
د . ريم : أولاً كان الفراق بيني وبين هذا الموضوع ( موضوع الحب ) كنت أتعامل معه كفتاة شرقية ومحافظة لكنني وجدت بعد ذلك أن الناس أدركوا كل شيء بداخلي .. وكانوا يسألونني : أين الحب في أدب ريم .. فارتأيت أنني كي أطرح إنسانيتي بصورة أكثر تكاملاً .. عليَّ أن أطرح هذا الموضوع حتى لا أكون فقط ريم الأديبة المتعاطفة مع البشر .. أو الأستاذة الجامعية بل أيضاً ريم المحبة كأي إنسان .. أمر آخر وهو أنني وجدت أشعاري تلك التي كنت قد أخفيتها تستحق النشر لأن هذا الاتجاه الروحاني في التعبير عن الحب الذي يرفض السوقية والذي يميل إلى الرفعة إلى الحالة النورانية السماوية يستحق الظهور فحالة الحب هذه وصلت في نقائها ورفعتها حتى السماء السابعة ...طبعاً لا زلت أشعر بالحياء من هذا الموضوع بحكم شرقيتي لكنني وجدت أن علي دخول هذا الموضوع ولو من باب ضيق..
بالنسبة لفراقي الآخر طبعاً هناك إنسان عشت معه قصة خاصة وكنا قد حاولنا إكمالها ببلوغ ذروتها أي الإتحاد كزوجين حبيبين لكن الأقدار كانت دائماً تلاحقنا دائماً حائلة دون ارتباطنا.. لا أدري ربما القدر يفرض علي دائماً أن أكون مرتبطة بشيء آخر لذلك اكتفينا الآن أن نبقى على حالنا حال التواصل الروحاني فقط فلعلنا نصل إلى ما نصبو إليه في الآخرة ..
لانا : هناك ورقة حب من أوراقك تعلنين فيها ذروة الاتحاد مع الحبيب وهي :
اليوم ذكرى ميلادك
ماذا ؟!
ألا تهنئني بعيدي ؟!
برأيك هذا الحب الذي جمع بينكما هل يكتفي بهذه العلاقة الروحانية ؟
د. ريم : نحن لا ندرك الحكمة من القدر .. فربما الله لم يشأ أن يغرقني في حياة زوجية واقعية لذلك أكتفي بهذه العلاقة السامية ولا اعتراض على حكم الله .
لانا : أكيد .. هناك ورقة أخرى استوقفتني على الرغم من أنها أبسط من غيرها كلغة لكنها معبرة جداً:
ألفُ ( أحبكِ ) قلتَ لي
لكن لم أسمعها سوى مرة واحدة
ذلك حين أصررتَ
على أن تمنحني إحدى عينيك
سلمَتْ عيناك
يا مليون حبي
د . ريم : حين أخبرني بذلك صدقت حبه لي .. توثقت منه، لربما, أحياناً يهدر أحدهم الكلمات مجاناً أمامك لكن هذا الإنسان فاتحني بهذا الموضوع بصورة جادة ولم يقتنع بإغلاقه إلا حين أقنعته أن المشكلة لدي ليست بالعين وإنما بالشبكية .. طبعاً مهما كان الأمر أنا لا يمكن أن أرضى بذلك لكنني توثقت من مشاعره النبيلة تجاهي باختصار إنه إنسان في غاية الصدق ..
لانا : هنا أحب أن اترك الموضوع للسيدة ندى ففي توقعي أنها عاشت قصة حب جميلة توجت بالزواج .. ما هو مفهومك عن الحب ؟
مدام ندى : ( محاولة أن تفتش عن وردة صغيرة من باقات الحب الكثيرة التي غمرتها فيخونها الاختيار لكثرتها فتخبرني بارتباك ) أنا بتصوري الحب هو اتحاد روحين وعطاء من الطرفين .
أ . فؤاد : ( منقذاً الموقف كعادته ) الشاعر ناظم حكمت قال أجمل قصائدي تلك التي لم أكتبها بعد ...
يمكن.. وعلى الرغم من روعة الزواج.. الحب الذي لا يصل للنهايات التقليدية يأخذ نوعاً من القداسة والرمزية فنسقط عنه كل مشاكله وأخطائه لذلك يبقى مميزاً.. أكثر من ذاك الذي يصل للزواج.. لذلك ,ربما.. نشعر الآن بالحنين أكثر لسنوات الحب التي عشناها قبل الزواج...
لانا : علاقة ريم مع الله اتضحت لي من خلال إحدى خواطرك التي تقول:
صلاة
كذلك السماء تصلي
أخبرتني تراتيل المطر
د .ريم : من خلال تساؤلاتي التي طرحتها كنت أطرح الكثير حول الله ... منذ مطلع حياتي كنت أتساءل عن ماهية الله .. كنت أتخيله بأنه ذاك الذي يعاقب ويثيب ..ذلك الذي يحرق بالنار أو يدخل إلى الجنة .. كان لدي شيء من الخوف والتوجس من هذه القوة الكبيرة التي تسيطر على العالم بأسره ..
أما الآن فإنني أشعر بحالة من التوحد والتأقلم والسلام معه.. ولاسيما أنني مغرمة بعلم الفلك و بالتأمل في هذه العوالم والأكوان ...فالآن أشعر بأن الله كله خير بل هو الخير الكامل .. الخير المطلق مقابل الشر المطلق المتمثل في الشيطان ..
لانا : ختاماً أريد أن أوصل لك التعليقات والأسئلة التي حصدتها صفحة لم تبصر النور
تعليق من SaSu يقول: ( لا بد لكل من دخل محراب الريم الهلالية ، أن تظل روحه معلقة في رحابه العلوية ..
فأنا منذ سنين فيه أصلي سارحاً في دنى من النقاء والقيم والمحبة ..)
د . ريم : ( بعد أن احمرت وجنتاها ) سوف أفاجئكم وأخبركم أنه هو ذاته الذي حدثتكم عنه منذ قليل والذي يوثق مشاعره دائماً بكلماته الرائعة .. مؤكداً هو أيضاً فاجأني لأنني لم أكن أعرف أنه ترك لي تعليقاً على هذه الصفحة
لانا : أحسست من خلال تعليقه أنه يعرفك من قبل .. ظننت أنه أحد قرائك لكنني تأكدت الآن أنه الوحيد الذي قرأك بعمق.
تعليق ديانا : جميل النور .. ضروري البصر ..أبيعهما للحظة بصيرة .. بوركت لانا .. ولا شك أنك مباركة أكثر بعد فيض البصيرة التي غمرتك بعد لقائك هازمة الظلام .. الدكتورة الأكثر من رائعة .. المبدعة التي ببصيرتها غمرتنا بكل أنواع النور
د .ريم : في رأيي ديانا تمتلك البصيرة.. فحين كتبت هذا التعليق وهي تكتب أغمضت عينيها حتى ترى من خلال بصيرتها بصيرتي أنا .. في رأيي كل إنسان يتحسس تجاه تجربتي ..تجاه رهافتي .. لا شك أن لديه رهافة مماثلة.
تعليق من X : رائعة هذه العبارات .. احترت بينها .. ترى أيها الأجمل .. لم أعرف .. ولكنني تذكرت أنني أعدت قراءة هذه العبارة عندما قرأتها 3 مرات (( هل الكتاب الصامت بين يدي يقرأني مثلما أقرأه ))
د . ريم : تعليقX يحقق جزءاً من حلمي .. دائماً لدي هاجس يلاحقني وهو أن يقرأني الإنسان فلمجرد أنه استوقفه هذا التساؤل هذا يعني لي أنه يقرأني ويقرأني بعمق .. فأنا أشعر بالسعادة حين أتلمس حالة من التواصل القرائي بيني وبينه
سؤال أيضاً من X : سأطلب منك أن تسأليها ..
بماذا تفكر أو ( ماذا كتبت ) عندما تسقط أشعة الشمس عليها فتشعر بدفئها دون أن ترى ضوءها .. فأظن أنها الأقدر على فهم لغة تتكلم بها الشمس غير لغة البصر ..
د . ريم : هل أنا رأيت أمي ؟ لم أرها بصراً لكنني رأيتها بصيرة ..
الشمس هي أمي السماوية التي حين أخرج إليها تعانقني شوقاً وحناناً بدفئها .. أشعر بنورها من خلال معانقتها لي .. أشعر برفقها .. رفقها الصامت .. هي لا تقول شيئاً من الكلمات.. لكنها تقول كل شيء بحنانها ..
بالنسبة لتساؤلات البحر قد أجابت عليها الدكتورة من خلال حديثنا عن عملها ( بين شرفتي والبحر)
أ . فؤاد : ماذا تقرأ اليوم الدكتورة ريم ؟ وبماذا تنصحنا أن نقرأ ؟
د . ريم : بصراحة وعلى رغم قراءاتي المستمرة إلا أنني هذه الفترة متفرغة لدخول عالم جديد .. فأنا الآن أتعلم استخدام الكمبيوتر والبرنامج الناطق .. وعلى رغم إصراري على تعلمه إلا أنني لا زلت أشعر بالرعب تجاهه حين يتمرد علي ..
بالنسبة للكتاب الذي أنصح بقراءته هو كتاب النبي لجبران خليل جبران .. كتاب صغير ( كتيب ) أذكر أنني اشتريته في صغري ب 4 ليرات سورية .. وكنت أبكي حين أقرأه لدرجة أن أبي مازحني ذات مرة قائلاً (هل من أحد يبكيه كتاب ثمنه أربع ليرات ؟)
(طبعاً أحب أن أنوه أن المحامي عبد القادر هلال يمتلك مكتبة ضخمة بل مرعبة لكثرة غناها )
لانا : بالنهاية أريد كلمة منك لطيف من الأطياف ربما اخترت لك طيفاً وهو جبران خليل جبران .. ماذا تقولين له ؟
د . ريم : أقول لجبران هل تسمعني ؟ ليتك تسمعني ..إذ إنني لو كنت معاصرة لك لقرأتني من خلال التوائم الذي أشعر به .. الذي أحسه تجاهك .. لكن هل تسمعني من السماء؟ ..
لانا : أطيافٌ نحن جميعاً .. أطيافٌ زائرون .. لعلنا تركنا أثراً جميلاً .. لعلنا حادثنا نيسان قليلاً ..
ولعلي أنا تعلمت على يدي ذاك العصفور الذي كان لي هذا الصباح دليلاً ..
ليت كل من قرأ هذا المقال كان معنا , لا ليستمتع بروعة البصيرة فحسب .. بل لكي يستمع بنفسه للموسيقا البيضاء التي أطربتنا بها الدكتورة ريم هلال بأجوبتها التي كانت كأنشودة مطر من نور..
وشكراً
(ملحوظة : النصوص الصغيرة التي وضعت نجمة بجانبها لم ترد في الحوار بل استحضرتها من كتابات الدكتورة ريم لعلاقتها المباشرة بموضوع النقاش).
لمن يرغب بالإطلاع على المزيد من أعمال الدكتورة ريم هلال يمكنم زيارة موقعها الخاص على شبكة الانترنت : www.reemhilal.com
لانا صفية
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (11 تعليقات سابقة):
بحر
نظرت إلى ظل الشمس معتقداً بأني مبصر.....ولكن بعد أن قرأت السطور الماضية.....
تأكدت بأن ما كنت أراه ليس البحر أو الشمس.
واتخذت قراري أن أغمض عيناي , فمن دونهما أستطيع أن أرى الأشياء على حقيقتها.......
كم كنتُ أعماً من قبل يا نور لاذقيتنا........
فعلاً انا أعمى لأني ظننت أن القلم سيكون سلاحي.....
ولكني أخترت من اليوم أن أكون مبصراً......
نعم أن أكون مبصراً .....سأغمض عيني حتى لا أرى ما يستفزني, وسأكتفي بأن أكون قارئاً لغيري وكاتباً لذاتي..............
مع المحبة والتقدير لغالية العرب:
ريمنا الهلالية......
وعندما نراه هل نرى عجزنا ؟
ام نختبىء وراء خجلنا أمام هذا النور؟؟
للنور نفسه الدكتورة ريم
لا استطيع الا ان انحني احتراما وخشوعا لنورك
والشكر للقائمين على هذا الموقوع المتكامل
أضم صوتي لصوتك.. لكنهم نادرون (هكذا) ضيوف في عالم يعدو لاهثا وراء المادة.
تعليق المحرر: فعلا هم نادرون مع ما بين السطور .. على كل مرحبا بكم أن احببتم المقال .. ومرحبا بكم أن لم تحبوه, فلعل غيركم يحبه.. والموقع يتسع لجميع, ومعأني لم أفهم اين اللهاث وراء المادة في موقع غير ربحي يهدف فقط لخدمة مدينتنا الغالية؟؟
كل الحب وكل التقدير لهذه الريم في انتظار لوحات إبداعية جديدة فهذا المدى لا يشبع من إغنائه وكأنه الهشيم كلما زدته طلب المزيد.
ملاحظه: الرابط لا يعمل
تعليق المحرر : مرحبا بك يا أخ محمد .. ماهو الرابط الذي لا يعمل؟؟ نرجو مراسلتنا على بريد الموقع لتواصل اكثر.. تحياتنا لك
تعليق المحرر: لو دخلت اي مكتبة عامة او خاصة وسألت عن الدكتورة ريم هلال لما اضططرت للسؤال..فلها عدة كتب وهي مدرسة بكلية الآداب في جامعة تشرين وغنية عن التعريف.. وعلى كلِ الأستاذ حكيم كان ضيفا على هذا اللقاء وواضح توقيع الدكتورة لانا صفية في نهاية اللقاء.. مرحبا بالبسام في موقع مدينته
أضف تعليقك