مجلة الموقع
الإيميل:
حوار مع المترجم الدكتور ثائر ديب | تحقيقات | الرئيسية

حوار مع المترجم الدكتور ثائر ديب

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أجرته الدكتورة رفيف هلال

حين شيّد العرب صرحهم الحضاري عبر العصور ، لم يتحقق لهم هذا من خلال إبداعاتهم الفردية فحسب ، إنما كذلك من خلال حضارات الأمم الأخرى التي انفتحوا عليها ، وجعلوا منها روافد أسهمتْ في إغنائه وتوسيع آفاقه . واستمراراً لهذا الأمر ، وإيماناً بوحدة الحضارة الإنسانية في النتيجة ، مقابل الإيمان بالحضارة العربية ، قامت ثلّة من المترجمين بمتابعة طريق التواصل مع الحضارات الأخرى المنبثة في أرجاء العالم من خلال تمكنهم من لغاتها المختلفة ، فشكّلوا جسور عبور مضيئة بيننا وبينها جميعاً . ولنا أن نفخر نحن وسورية بل للعالم العربي بأكمله بواحد من المترجمين المعدودين الذين تميزوا في هذا    المجال ، إذ أثرى ثقافتنا بما يقارب الخمسين كتاباً فيما تعدد من المجالات التي ترجم عنها مؤثراً هذا العمل الفعّال على مهنة الطب التي يمارسها الآن الكثيرون ، وغدوا يفيضون عن حاجتنا . إنه الدكتور ثائر ديب الذي هو من مواليد اللاذقية عام اثنين وستين وتسعمئة وألف ، أنجز دراسة الطب في جامعة تشرين ، يعمل بعقد خبرة في وزارة الثقافة بدمشق ، وسبق له أن كان مديراً للترجمة فيها ، وهو كذلك عضو في هيئة تحرير مجلة الآداب الأجنبية التي تصدر عن اتحاد الكتاب العرب ، ويرأس تحرير مجلة " جسور " الفصلية التي تعنى بالترجمة ودراساتها ، وتصدر عن الهيئة العامة السورية للكتاب في وزارة الثقافة . من بين أهم الكتب التي ترجمها: تأملات في المنفى لإدوارد سعيد ـ نظرية الأدب لتيري إيجلتون ـ فكرة الثقافة وأوهام ما بعد الحداثة للكاتب ذاته . وقد كان لنا مع هذا المترجم الكبير هذا اللقاء:
1 ـ تعددت المجالات التي شملتْها ترجماتك . فإلى أي مجال منها تميل أكثر ؟
ـ إن معظم ترجماتي متركزة على النظريات الفكرية والأدبية الجديدة ، ذلك لأن أكثر ما يستهويني في الترجمة هو الجديد على صعيد المقولات الفكرية والمفاهيم الحديثة التي يمكن أن تسهم في تحليل الواقع العالمي والعربي والمحلي . كما أميل إلى الترجمة في مجال النقد ، النقد بمعنييه الأدبي من جهة ، وعدم الركون إلى ما هو سائد من جهة أخرى .
2 ـ علمنا أن عدد كتبك المترجمة قارب الخمسين . فأي كتاب منها امتلك موقعه الخاص في ذاتك وفكرك ؟
ـ هناك كتب كثيرة تمتلك هذا الموقع في قلبي وفكري ، لكن أكثر ثلاثة كتب أوثرها أولها بعنوان " الله سيرة " ، وهو يتناول إله التوراة بوصفه شخصية  روائية ، وثانيها بعنوان " موقع الثقافة " لكاتب هندي يعيش في الغرب يدعى      " هومي بابا " ، وهو يشكّل واحداً من أعمدة النظرية ما بعد الكولنيالية إلى جانب  " إدوارد سعيد " و " جايا تري سبيفاك " ، وتنبع أهمية هذا الكتاب من كونه يقدم رؤىً جديدة بصورة كاملة للحوار والصدام والعلاقة ما بين الثقافات ، وينتهي بهذا الصدد إلى مفاهيم شديدة الغنى والخصوبة مثل الهجنة والحدودية ، وإنْ كنتُ أختلف معه في معظم ما يطرحه . أما الكتاب الثالث ، فهو بعنوان " الجماعات المتخيلة " لـ " بندكت أندرسن " ، وهو بحث قد صدر حديثاً حول نشوء القومية وانتشارها ، ويشكّل في رأيي واحداً من أهم الكتب في القرن العشرين ، إذ من شأنه أن يغيّر نظرتنا بصورة كاملة إلى مسألة القومية ، فضلاً عما قدمه بهذا الصدد من أدوات منهجية جديدة للبحث في هذا الموضوع ، ولاسيما فيما يتعلق بفلسطين وكثير من المسائل الأخرى الموجودة في واقعنا العربي والمتعلقة بالأقليات الإثنية والعرقية والدينية .
3 ـ ألا تفكر في الترجمة المعاكسة لبعض الأعمال ؟ أي من العربية إلى الإنكليزية ؟
ـ كلا على الإطلاق ، ففي هذا ما يمكن أن أدعوه بتشويه المهنة ، ذلك لأنه إذا ما طُلِب مني أن أقدم مقابلاً عربياً لكلمة إنكليزية ، فيمكن أن تحضرني عشرون  كلمة ، أما إذا حدث الأمر المعاكس ، وطُلِب مني أن أقدم مقابلاً إنكليزياً لكلمة عربية ، فإنني حينذاك أشعر وكأنني أصبتُ بفقدان الذاكرة .
4 ـ بعد أن حققتَ حضورك المتميز في مجال الترجمة ضمن الوطن العربي ، ألا تطمح إلى إتقان لغة أخرى سوى الإنكليزية كي تترجم عنها ؟
ـ سبق لي أن تلقيتُ دروساً في اللغة الفرنسية ، لكن هذا كان من أجل أن أتدبر أمري بشأن القراءة فقط دون الترجمة ، ذلك لأنني أميل إلى التركيز على أمور محددة ، وأكتفي بكوني مترجماً ، ومترجماً عن اللغة الإنكليزية فحسب . وعلى هذا ، فإنني لا أحبذ أن يسلك المبدع طرقاً عديدة في آن واحد من تأليف وترجمة ورسم ...
5 ـ بماذا تُحدّثنا عن مجلة جسور التي تترأس الآن تحريرها ؟
ـ إنها مجلة فصلية مختصة بالترجمة والدراسات بشأن الترجمة ، وقد هدفنا من خلالها إلى تناول مجمل العلاقات ما بين الثقافات بصورة كلية أكاديمية ، وعدم الاكتفاء بالترجمة التقنية التي تعتمد القواميس . وقد ساهمت في هذه المجلة مجموعة متميزة من المترجمين والكتاب السوريين والعرب ، ويمكن أن أعدّها بكل تواضع المجلة الأولى من هذا النوع في سورية ، بل في الوطن العربي.
6ـ هل شكّلت الترجمة حلماً مستقبلياً في بداياتك ؟ أم كان لك حينذاك اتجاه    آخر ؟
ـ يمكن القول : إن الترجمة هي الأمر الوحيد الذي خططتُ له في حياتي دون أي أمر آخر سواه ، وهي العمل الوحيد الذي أمارسه بوعي كامل . أما بالنسبة إلى دراسة الطب التي أنجزتُها ، فلم أكن قد تهيأتُ لها مسبقاً على الإطلاق ، بل إنه يوجد الآن بيني وبين ممارسة هذه المهنة ما يمكن أن أدعوه بالطلاق الكامل .
7 ـ هل تلجأ إلى ترجمة كتاب سبقتْ ترجمته ؟ أم أنك تفضل أن تكون المترجم الأول دائماً ؟
ـ عادةً أفضل أن أكون المترجم الأول لأي كتاب ، لكنني مع ذلك كنتُ المترجم الثاني في حالتين يمكن أن أذكرهما : تحددتْ إحداهما في ترجمتي عملاً دون أن أعلم أن هناك من سبقني إليه قبلاً ، وتحددت الثانية في إعادة ترجمتي كتاب       " الجماعات المتخيلة " ، ذلك بعدما لاحظتُ من سوء فادح في ترجمته الأولى التي تمت من قِبَل آخر سواي .
8 ـ هل لك من نشاطات أخرى سوى الترجمة ؟
ـ النشاط الأساسي الذي أمارسه ، والذي أحلم بألا يكون لديّ سواه هو أن أعود كما كنتُ قارئاً .
9 ـ ما رأيك في حركة الترجمة العربية في الوقت الراهن ؟
ـ يمكن تلخيص وضع الترجمة العربية في الوقت الراهن في عودتها إلى تلمس مشكلاتها تلمساً حقيقياً ، إذ بدأت المراكز القومية والوطنية للترجمة بالظهور ، وكذلك نقد الترجمات القائمة والسائدة ، وكذلك المجلات المختصة بالترجمة ، إضافة إلى ما يوجد الآن من إدراك يكاد يكون عميقاً لأهمية هذه الترجمة   ودورها ، ولاسيما في ظل تدهور الكتابة العربية واندحارها ، ويمكن أن نخص من هذه المراكز بالذكر المنظمة العربية للترجمة وما تنشره من كتب مهمة جداً بإشراف السوسيولوجي التونسي الدكتور طاهر لبيب ، إضافة إلى المركز القومي للترجمة في مصر والمركز الوطني للترجمة في تونس ، وما أدته وزارة الثقافة بدمشق من دَور تاريخي مهم على هذا الصعيد ، وكذلك دُور النشر الخاصة . لكن بالمقابل لابد من الإشارة إلى ما يتخلل وضع الترجمة أحياناً من رداءة ، نظراً لِما يسود من ترجمات غير مضبوطة وغير مدروسة بصورة مرضية ، ذلك لصدورها عن أشخاص  غير قادرين على النهوض بهذه المهمة بالمعنى الحقيقي . هذا إلى جانب التقصير في كمّ ما تتم ترجمته ، والاقتصار غالباً على النقل عن الإنكليزية والفرنسية دون اللغات الأخرى التي قد تكون لشعوب قريبة منا من حيث انتماؤها إلى العالم الثالث ، وما يستتبع هذا من تقاربها معنا في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية .
10 ـ وأنت تمسك الآن بزمام الثقافتين العربية والإنكليزية ، فإلى أي منهما تميل في قراءاتك ؟
ـ أنا أهيم باللغة العربية إلى درجة لا توصف ، لكن اللغة الإنكليزية استطاعت أن تفتح لي نوافذ ما كان للغة العربية أن تفتحها ، أو بالأحرى للثقافة العربية الحالية ذلك لأن الذنب لا يقع على اللغة العربية ذاتها التي تَبيَّن لي من خلال ترجماتي مدى ما تمتلك من قدرات ، إنما هو ذنب الناطقين بها . وبذلك أنتهي إلى أن تمكين اللغة العربية لا يُفترَض به أن يتحقق من خلال تقييدها كما يذهب بعض التقليديين ، إنما في انفتاحها على اللغات الأخرى ، والوصول إلى حقولها وأمكنتها التي لا تبدو مطروقة في عربيتنا .
11 ـ كم تستغرق من الزمن ترجمة الكتاب الواحد لديك بصورة تقريبية ؟
ـ لنفترض أنني أترجم كتاباً من مئة صفحة ، فإذا ما عملتُ كل يوم خمس ساعات ، يمكنني أن أنهيه في أسبوع أو عشرة أيام .
12 ـ ماذا عن جديدك ؟
ـ سيصدر لي قريباً في مصر عن المركز القومي للترجمة كتاب بعنوان          " النظرية النقدية " وهو يتحدث عن مدرسة فرانكفورت التي اتخذت شهرتها في علم الاجتماع والفلسفة ، وأظهرتْ مفكرين مهمين أمثال أدورنو وإيريك فروم وماركوزي ، والآن هابرماز الذي لا يزال على قيد الحياة ، وهذا الكتاب يعرض هذه المدرسة منذ بداياتها إلى الآن كما يعرض سجالاتها الداخلية وتصارع أفكارها وصولاً إلى هذه الأيام التي يستخدم فيها الكاتب هذه المدرسة لنقد بعض الاتجاهات الحديثة مثل ما بعد الحداثة والنظرية النسوية ونظرية عالم الاجتماع البريطاني    " غيدنز " . والآن أعمل في ترجمة كتاب من ثلاثة أجزاء ، لكل منها عنوان  مستقل ، يتناول الأول " دي سوسير " ، والثاني " ماركس " ، والثالث " فرويد " ، بوصفهم يشكّلون أساساً لمقولات ونظريات نقدية حديثة ، لكن هذه الأجزاء الثلاثة لها عنوان واحد هو " أسس النظرية الأدبية الحديثة " .
13 ـ هل من أمر أخير تريد أن تدلي به بشأن الترجمة ؟
ـ فقط أريد أن أشير إلى أن الترجمة السورية هي في أمسّ الحاجة إلى الدعم من قبل الدولة لِما لها من دور عظيم جداً حتى في بناء الأمة والجماعة ، مثلما كان لترجمة " لوثر " للكتاب المقدس من دور في بناء ألمانيا ، وهذا الدعم يُفترَض به أن يتحقق على صعيدين : أولهما يتحدد في جلب حقوق الترجمة كيلا تظل سورية الوحيدة التي لم تحصّل لذاتها هذا الأمر ، وثانيهما هو ضرورة دخول سورية المنافسة مع الأقطار العربية الأخرى مثل مصر وتونس والإمارات العربية ، وذلك في الدعم المادي للترجمة ورفع أجور المترجمين التي لا تزال في سورية غير مواكبة للأسعار العامة الآخذة في التزايد والارتفاع .

الدكتورة رفيف هلال

LattakiaNews

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

منذر في 05 May, 2010 08:22:06
avatar
شكرا على هذا الحوار الشيق مع الدكتور ثائر وفعلا نحن بحاجة إن تنظيم أكثر ورقابة نوعية لعملية الترجمة سواء في سورية أو البلدان العربية أجمع
محمد في 14 June, 2010 10:03:00
avatar
شكرا لهذا الحوار ويا ليت كا ن لدينا خمسة او ستة مثقفين جادين وعميقين ومكافحين مثل الدكتور ثائر ديب

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
1.00
All rights reserved Lattakianews.com 2008 - 2009

Design and development by Al-walid.net