مجلة الموقع
الإيميل:
حوار مع الدكتور وفيق سليطين | تحقيقات | الرئيسية

حوار مع الدكتور وفيق سليطين

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

أجرته د . رفيف هلال

جميلٌ أن تقرأ لشخص ، تعمقتْ ثقافته ورهفتْ أحاسيسه ، ثقافته بناءً على كونه باحثاً أكاديمياً ، ورهافته بناءً على كونه أديباً وشاعراً ، لكن الأجمل أن تلتقي هذا الشخص ، وتكون على تماس مباشر مع ذخيرته المعرفية والشعورية التي لا يلبث أن يَفتح أمامك خزائنها ، ويجعلك لصيقاً ببحارها . إنه الدكتور وفيق سليطين الذي حظيتُ منه بواحد من اللقاءات القليلة المتميزة التي كم أتوق لتكرار ما يماثلها في غد .
   الدكتور وفيق سليطين من مواليد اللاذقية ، حاز درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة ، وهو الآن أستاذ مساعد في قسم اللغة العربية بجامعة تشرين ، وعضو في اتحاد الكتاب العرب . مؤلفاته الشعرية : أسفار الكائن الآخر ـ في سماء الهديل ـ حافياً إلا من هذا الحب ـ العتبات ـ معاكسة لأوابد الضوء ـ شقوق المعنى ، وصدر له حديثاً " كما لستَ أنتَ " . مؤلفاته في النقد والدراسات  الأدبية : الشعر الصوفي بين مفهومي الانفصال والتوحد ـ الزمن الأبدي ـ الكتابة السالبة من المتابعة إلى الحوار ـ غواية الاستعادة ـ الشعر والتصوف . حصل على جائزتين : أولاهما في سورية هي جائزة النقد الأدبي عام واحد وتسعين وتسعمئة وألف ، والثانية جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم عن كتاب " الزمن الأبدي " عام ثمانية وتسعين .
1 ـ لغتك الصوفية .. هل هي نابعة من داخل ذاتك الفردية ؟ أم من التراث الصوفي الذي شكّل مادة أبحاثك ؟
ـ اللغة الصوفية ، لا يمكن أن ترتد في رأيي إلى طرف مفرد ، فهي نابعة من الجانبين كليهما ، ما دامت اللغة بصورة عامة تشكّل حصيلة مركبة من الثقافة الموضوعية والذات الفردية . وأنا  قرأتُ ما وسعني من التراث الصوفي ، واختزنتُ مؤكَّداً الكثير منه . علماً أن اللغة الصوفية هي أكثر التصاقاً بالفن ، وأقرب إلى طبيعته ، وذلك لأنها كما يعرِّفها أهلها لغة إشارة لا لغة عبارة ، وما تعني لغة الإشارة هذه من قدرتها على اختزان إيحاءات متدفقة ومركبة ، أو شحنات ذات طيف واسع . وأذكر بهذا الصدد أنني أصدرتُ بطلب من الهيئة السورية العامة للكتاب كتيّباً بعنوان " الشعر والتصوف " يحتفي بهذه المسائل ، ويتقصى العلاقة ما بين الشعر والتصوف ، إذ ينعقد واحد من فصوله على تشكيل اللغة قيمة مشتركة ما بين الشعر والتصوف .
2 ـ أنت تسكن الآن عالمين اثنين : الشعر والبحث الأكاديمي . لكن أين تجد ذاتك أكثر ؟
ـ لا أخفي أن الشعر أو الاشتغال بالفن عامةً أكثر ثراءً ، وأكثر احتفاءً بالروح ، مقابل البحث الأكاديمي الذي ولاسيما في هذه الأيام لا يُعوَّل عليه في هذا  الجانب ، على الرغم من أنه يشكّل إبداعاً على إبداع . ومع ذلك ، فأنا على الصعيد الشخصي أجد نفسي في الاثنين معاً ، ما دمتُ أجد في كل منهما ما يكمل الآخر ، ويردّ محصوله عليه . فحين يتعمق الباحث مثلاً في القراءات  والدراسات ، ويُنتِج أبحاثاً ذات شأن ، لابد من أن يثري حصيلته المعرفية التي ستكون لها تجلياتها في كتابة الشعر أو في استكشاف مناطق جديدة في كتابة الأدب .
3 ـ ماذا أضاف اغترابك عن الوطن إلى ذخيرتك ؟
ـ عندما كنتُ في صلالة بعُمان ، كتبتُ مجموعتي الشعرية التي هي بعنوان     " معاكسة لأوابد الضوء " ، وقد أدرجتُ ضمنها قصيدة طويلة نسبياً حول   عُمان . وعلى الرغم من أنني كنتُ أشعر في الاغتراب بالتخفُّف من ضغوطات الحياة اليومية ومن المشاغل الكثيرة والشؤون العارضة مصحوباً بخدش في الروح ، لكن هذا كان من شأنه أيضاً أن يشكّل عامل إثراء وعامل استكشاف يحفزان على الكتابة . كما أنني حين كنتُ في مصر التي أُوفدتُ إليها قبلاً لنيل درجة الدكتوراه ، شهدتُ هناك عالماً يضجّ بالكتب والمكتبات ، إضافة إلى مشروع الكتاب الشعبي الميسر " القراءة للجميع " ، وما كان لهذا كله من دور فعال في تثمير تجربتي الكتابية الأدبية والنقدية .
4 ـ لديك مجموعة شعرية بعنوان " العتبات " . فماذا عن أبعاد العتبات هذه في نفسك وشعرك ؟
ـ سميتُها العتبات ، لأن العتبة ـ كما هو معروف ـ تشكّل مكاناً متوسطاً ، أو فاصلاً واصلاً ، أو حداً ما بين الداخل والخارج . وأنا حين وقفتُ عند العتبات المتنوعة ، عتبات الرؤى ، عتبات الفن ، العتبات المقدسة بالمعنى الإنساني ، كنتُ أحاول أن أستكشف من منظورها جماليات الداخل ، وذلك لأن الوجود ضمن المكان ذاته قد يعطي طابعاً أليفاً للأشياء ، في حين أن الوقوف عند عتبته من شأنه أن يطلق الخيال أكثر ، ويشحذ قيمته ونشاطه كي يعيد تأمل ما في الداخل بعين الفن ، لا بعين الموجودات .
5 ـ ماذا عن المرأة الشعرية لديك ، هذه التي تبدو متحداً بها حيناً وباحثاً عنها حيناً آخر ؟
ـ الموجودات عموماً في الفن هي غيرها في الواقع ، ربما لأن من شأن الفن أن يملأ فجوات هذا الواقع ، أو أن يرأب صدوعه وشقوقه . ومن هنا ، فإن المرأة في الفن أو في القصيدة هي قيمة مثالية قد لا يكون لها مكافئ واقعي ، بل إن الخيال هو الذي يبنيها بعد أن يجمع أصولها وشذراتها . وبهذا الصدد يمكن أن نلاحظ كيف أن نصوص الشعراء على اختلاف العصور قدمتْ بصدد المرأة ذلك الأنموذج العالي الذي من شأنه أن يحقق للشاعر قدراً من التوازن المفقود شعورياً وروحياً وجمالياً .
6 ـ مفردة الضوء التي تكررت عبر قصائدك ، هل أردت من خلالها مواكبة الشعراء المحدثين ؟ أم أن لها موقعاً خاصاً لديك ؟
ـ لا أعتقد أن الأمر يتعلق بالإرادة ، لأنه في هذه الحال سيتحول إلى نوع من المحاكاة التي تفضي إلى قيمة شاحبة قياساً إلى الأصل المُحَاكَى . إذن إن الأمر هنا يتعلق بما اختزنّاه وخبرناه وامتلكناه في الحياة والثقافة ، وما يمكن أن يكون له بمجمله من مفاعيل في ذواتنا توجهها من الداخل بصورة بعيدة عن التقصّد . وإذا تأملتُ مفردة الضوء في حدود ما كتبتُ ، يمكن أن أقول : إن الضوء من شأنه أن يكشف الأشياء ، أن يقدمها منتهية بحدودها التي هي عليها ، أن يُظهِر السطوح الواضحة التي تشكّل حجاباً للأعماق . وعلى هذا الأساس ، كنتُ أبدو في عراك مع مفردة الضوء ، مقابل تثميني للعتمة التي هي قيمة خارقة بهذا المعنى الشعري . وبعبارة أخرى : إن الضوء يشكّل حجاباً على الأشياء من شدة الإنارة ، فيُحَيِّد الجوانب المعتمة والخفية والمخبوءة والمكنوزة ، وبالتالي يستنفد هذه الأشياء في وضوحها المباشر ، أو في حدودها المعطاة . لذلك فإنها غالباً ما تحمل قيمة سالبة قياساً إلى مزاوجتها بالتعتيم والظلال والخفاء ونشدان غور الأعماق .
7 ـ ما موقف شاعرنا من الزمان عامة ؟
ـ الزمان مشكلة فلسفية كبرى ، إذ إن الكثيرين من الفلاسفة شبهوه بالقطة التي تأكل أبناءها ، ونحن أبناء هذا الزمان ، أبناء التحول والفناء ، الزمان الذي بعد أن أحدَثَنا وأنجَبَنا يمر علينا مروراً ثقيلاً ، ويجتاحنا ويلتهمنا . ومن هنا كان الإحساس بالزمان باعثاً على التأمل واستحداث معطيات فنية عالية الشأن من تقانات ونصوص ولوحات ، ما دام هذا الفن يشكّل نشداناً للأبدية ضد الزمان ، ومحاولة للإمساك بلحظة الخلود والانتصار على الزمان الذي ينتصر علينا.
8 ـ هل تقصّدتَ من خلال لغتك الشعرية النخبوية أن تتوجه إلى شريحة معينة من القراء ؟ وإذا كان الأمر كذلك فماذا بالنسبة إلى قرائك الآخرين ؟
ـ لستُ أنا من جعل الشعر نخبوياً ، إنما هو في أصله كذلك ، لأن الهدف منه مَنْح قيمة فنية إضافية ، وهذا ما لا يتحقق إذا ما تم التساهل في استخدام أدوات الفن . إن الشاعر أو الفنان الذي قضى حياته بأكملها من أجل أن يتبوأ ذروة   ما ، ليس من المنطقي أبداً أن يتلقى القارئ إبداعه في دقيقة ، بل إن الإبداع العميق يُفترَض به أن يكون محفزاً لهذا القارئ ، لكي يتجاوز نفسه ، ويبارح ذاته بغية الوصول إلى الحالة الأفضل . وفي النتيجة : أنا لا أقيس الفن من حيث كونه نخبوياً أو غير نخبوي ، إنما تتحدد المسألة لديّ في الإخلاص لطبيعته وضروراته الداخلية ، ومن ثم : فإن النخبوية لا تنتقص من شأن الفنان ، بل تزيد فيه .
9 ـ هل مِن وجودٍ ورقي لبداياتك الشعرية التي سبقتْ تجربتك الحالية ؟ أم أنها تبعثرتْ عبر الزمان ؟ وإذا وُجِدتْ ، ألا تفكر يوماً في نشرها ؟
ـ أعتقد أن كل كاتب له بداياته المبكرة غير المشجعة ، نظراً لعدم امتلاكه بعد أدواته الضرورية التي يمكن أن ترقى بكتاباته لكي تصير صالحة للنشر . وفيما يتعلق بي شخصياً ، بدأتُ الكتابة منذ السنة الجامعية الأولى ، ونشرتُ محاولاتي في صحيفة يصدرها اتحاد الطلبة ، محاولاتي التي إن حققتْ حضورها في لحظتها ، فإنها غدت تنشد ما بعده ، وذلك عبر مسافة وسمها القلق والنشاط والتحريض .

د. رفيف هلال

LattakiaNews

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

ثائر عبود في 18 February, 2011 10:00:05
avatar
أعتقد بأن الدكتور وفيق سليطين هو من شعراء النخبوية المحضة وهذا يعزز الهوة الموجودة أصلا بين المثقف والشارع بعامة ويؤكد على انفصال المبدع عن أهل جيله كما يعزز من تقوقع الشاعر النخبوي لتضيق دائرة تفاعله مع محيطه إذا فهو يرتقي بشعره إلى ما فوق حدود التأثير في المحيط وهو الهدف الأساس الذي يجب ان يتحمله المبدعين بوصفهم رافدا من روافد التطور الفكري
تعليق الحرّر : نكرّر ترحيبنا بآرائكَ الخاصة .. ونحيطكَ عِلماً بأن الكثيرين يخالفونك .. ومرحباً بك وبآرائك دائماً على صفحات موقعنا

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
0
All rights reserved Lattakianews.com 2008 - 2009

Design and development by Al-walid.net