جوليا دومنا ـ إمبرطورة روما السورية
كلما اطلعتُ في التاريخ القديم على شخصية نسائية ساعية إلى التميز والتكامل ، شعرتُ بدافع كبير للكتابة عنها آملة أن تشكّل قدوة لنساء هذا العصر ، وأن تحفز لديهن الغيرة الإيجابية التي يمكن أن تجعل منهن نماذج لها حضورها ودورها الفعال في المجتمع . وجوليا دومنا هي واحدة من هذه الشخصيات التاريخية ، فلنتعرف إلى بعض تفاصيل حياتها .
وُلِدتْ جوليا دومنا في مدينة حمص بسورية عام سبعين و مئة للميلاد لعائلة ذات شأن ، إذ كان والدها " باسيان " الكاهن الأعظم في معبد إله الجبل ، وبفضل مكانة والدها تلقّت مع شقيقتها عناية كبيرة ، فدرستْ تراث الشرق القديم وتراث الإغريق ، واطلعتْ على ثقافة الرومان أي أنها شكّلتْ نموذجاً للمثقف الهيلينستي الذي جمع في شخصيته ثقافة الشرق والغرب على السواء . وفي عام ستة وثمانين و مئة أُعجِب بشخصية جوليا دومنا وجمالها القائد الروماني سبتيموس سيفيروس ، فتزوجها على الرغم من أنه يكبرها بعشرين عاماً ، وقد أقدم على هذا الأمر بعد أن أنبأته عرافة سورية بأن هذه الفتاة صاحبة نجم عالٍ ، وسوف يقترن بها يوماً ما رجل سيتسلم عرش روما ، وبالفعل بعد زواجه منها تقلّد عدداً من المناصب إلى أن أصبح إمبرطوراً على روما عام ثلاثة وتسعين و مئة ، وبفضل امتلاك جوليا دومنا ما تعدد من الصفات الإيجابية كحدة الذكاء ورصانة العقل وقوة الإرادة والجرأة استطاعت أن تكون امرأة استثنائية لها مكانتها وحضورها في الإمبرطورية ، إذ كانت ترافق الإمبرطور في رحلاته وانتصاراته ، وكانت تقوم بمساعدته في تنظيم شؤون الدولة والإشراف على الدواوين ، هذا بالإضافة إلى أنها تمكنتْ من إحباط العديد من المؤامرات والمكائد التي كانت تُنصَب لها ولزوجها في روما وخارجها ، لكن دورها السياسي هذا بدا متواضعاً بالقياس إلى الدور العلمي والثقافي الذي نهضتْ به ، إذ إنها كانت راعية لشؤون الآداب والعلوم ، فقد شكّلتْ مجلساً ضم كبار العلماء والفلاسفة والأدباء والشعراء والأطباء والقانونيين المعاصرين لها ، وصار هذا المجلس أو الصالون الأدبي والعلمي يُعقَد بصورة منتظمة ، ويناقش العديد من القضايا الفكرية والعلمية . وبناء على هذا كله ، فقد حظيتْ بمكانة كبيرة لدى الرومان ، واكتسبتْ ثقتهم ، والدليل على ذلك هو منحها العديد من الألقاب الرفيعة مثل أم الوطن وأم مجلس الشيوخ وأم الجيوش ، وقد منحها زوجها لقب " أوغوسطا " أي إمبراطورة ، ويضاف إلى ذلك أن الدينار الروماني سُكَّ باسمها ، ونُقِشتْ عليه صورتها .
وفي عام أحد عشر ومئتين توفي زوجها الإمبرطور ، فتولى ابناها كركلا وغيتا الإمبرطورية بصورة متكافئة بوصفهما وريثين شريكين في العرش الروماني ، لكن سرعان ما اتضح أن هذين من طبيعتين مختلفتين ، وعلى الرغم من الجهود المضنية التي بذلتها والدتهما للتوفيق ما بين الاثنين ، فإن الأمر كان مستحيلاً ، فاقترح بعض المستشارين أن تقسَّم الإمبرطورية فيما بينهما ، لكن جوليا دومنا رفضت مشروع التقسيم بصورة قاطعة حرصاً منها على وحدة الإمبرطورية وإيماناً منها بأن عظمة الرومان في وحدتهم ، وقالت لابنيها : أفضل أن يقطَّع جسدي إرباً إرباً على أن تقسَّم الإمبرطورية . وفي عام اثني عشر ومئتين قام كركلا الابن الأكبر بقتل أخيه غيتا الذي كان بين ذراعي أمه التي حاولتْ حمايته ، وإضافة إلى فعل كركلا المشين هذا منع والدته والآخرين من إقامة المآتم ومراسم الحزن على أخيه ، وعلى الرغم من هذه الفاجعة التي أصابتها فإنها استوعبتِ الأحداث ، واحتوتْ تداعياتها برباطة جأش ، وعملتْ كل ما في وسعها على مساعدة ابنها كركلا في قيادة الإمبرطورية وحمايتها ، إذ تولت الإشراف على السياسة الداخلية والخارجية بفطنة وحكمة واعتدال ، وحاولت أن تقوِّم الكثير من تصرفات ابنها ونهجه السياسي ومن الجدير ذكره أنها كانت وراء المرسوم الشهير الذي أصدره كركلا ، والذي ينص على منح حقوق المواطنة الرومانية لجميع سكان الإمبرطورية الأحرار بعد أن كانت هذه الحقوق حكراً على أهل إيطاليا فقط ، ولا شك في أن هذا المرسوم يُعَد نقطة تحول بالغة الأهمية في تاريخ الإمبرطورية .
وفي عام سبعة عشر ومئتين قُتِل الإمبرطور كركلا في مدينة الرها السورية ، وبعد تلقي الأم هذا النبأ فرضتْ عليها قوة شخصيتها أن تختار الإبحار في عالم الموت وفقاً لإرادتها هي ، وذلك بعد قيامها بالامتناع المطلق عن الطعام . ونتيجة للمكانة الكبيرة التي حظيتْ بها لدى الرومان قاموا بدفنها في مدافن الأباطرة .
وفي النهاية يجدر بالذكر أن الفنان التشكيلي رؤوف بيطار الذي أصبح معروفاً في اللاذقية شكّلتْ لديه جوليا دومنا واحدة من لوحاته الفسيفسائية التي يسعى من خلالها إلى إحياء تاريخ سورية القديم ، وهي ذاتها المعروضة في هذا المقال .
د. رفيف هلال
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (2 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك