إبلا منعطف التاريخ
تل مرديخ "إبلا" هو واحد من بضع آلاف من التلال الأثرية المنتشرة في معظم أرجاء الجمهورية العربية السورية.
ويطلق اسم التل على كل مُرتفع غير طبيعي، ويتراوح ارتفاع كل منها عن سطح الأرض بين عشرة وعشرين متراً. كثير منها يتألف من تلة مركزية محاطة بسلسلة من التضاريس المتموجة، وتكثر التلال على ضفاف الأنهار وبالقرب من ينابيع المياه وفي واحات البوادي والسهول.
يضم التل في ثناياه أنقاض مدينة أو بلدة أو قرية تهدمت أكثر من مرة عبر الأزمنة والعصور، ونشأ عن ذلك تراكم متعاقب للأطلال وأنقاض مختلفة ألبسها الدهر ثوباً من الأتربة والرمال والغضار.
يُعرف هذا التل باسم تل مرديخ الذي يحتل مساحة قدرها ستة وخمسون هكتاراً وعلى بعد خمسة وخمسين كيلو متراً إلى الجنوب الغربي من مدينة حلب شمال سورية، وليس لأســم
تل مرديخ أي أصل تاريخي حتى الآن ونحن ورثناه من العامة من سكان المنطقة ولم نعثر على مصدر كتابي قديم أو حديث يذكره وهذه هي الحال في معظم التلال الأثرية في قطرنا وفي الأقطار المجاورة أيضاً.
إن قانون الآثار في الجمهورية العربية السورية يسمح للمؤسسات العلمية العربية والأجنبية بمزاولة التنقيب المنهجي والعلمي في المواقع الأثرية بإشراف السلطات الأثرية أو بمشاركتها، وذلك لأن التراث الحضاري هو تراث الإنسانية جمعاء.

وبناء على ذلك تعمل في قطرنا بعثات تمثل جامعات ومؤسسات علمية من مختلف أنحاء العالم (يفوق عددها الخمسين)، ومن جملتها بعثة باسم معهد دراسات الشرق الأدنى القديم من جامعة (روما). بدأت البعثة أعمال التنقيب الأثري في موقع تل مرديخ برئاسة الأستاذ باولو ماتية وعضوية عدد من أساتذة وطلبة المعهد نفسه ويشاركهم باستمرار ممثل اختصاصي من المديرية العامة للآثار والمتاحف وذلك منذ عام 1964 دون توقف.
في عام 1968 تم العثور على أول شاهد لوجود هذه الحاضرة، كان ذلك عندما اكتشف في موقع تل مرديخ تمثال بازلتي نصفي مقطوع الرأس عليه كتابة مسمارية باللغة الأكادية (أقدم لغة سامية في بلاد مابين النهرين) تقول هذه الكتابة:
"هذا الحوض تقدمة لمعبد الربة عشتار من ايبيت ليم ابن اغريش حبيبا ملك من سلالة إبلا، في السنة الثامنة لعشتار ومنذ أن تألق نجم إبلا، أدخل ايبيت ليم هذا التمثال إلى المعبد من أجل حياته وحياة بنيه، وسرت عشتار بهذه التقدمة سروراً كبراً" فكان هذا الدليل الأول لتحديد هوية هذا التل.
وبالرغم من صمت المصادر المكتوبة وانعدامها في تل مرديخ (حتى عام 1968) إلا أن الامتداد الواسع للتل وأهمية المباني المدنية فيه ونوعية الأعمال الفنية المكتشفة جعلتنا نعتقد أن إبلا مع يمحاض (حلب) وكركميش (جرابلس) وقطنه (تل المشرفة) كانت من جملة المراكز الكبرى التي أبدعت تلك الحضارة السورية القديمة التي تعرفنا على شواهدها في مملكة الالاخ (تل عطشانة في سهل العمق) وفي أوغاريت (رأس الشمرة شمال اللاذقية) وفي ماري (تل الحريري على الفرات) وإذا اعتبرنا أن الفن المتطور في المنحوتات المكتشفة في تل مرديخ إبلا يرقى إلى الفترة السورية القديمة الأولى (1900 - 1800 ق.م) فإنه ليس من البعيد أن إبلا حتى هذا التاريخ، كانت مركزاً لقوة سياسية جديرة بالمستوى الفني الرفيع الذي تشهد عليه تلك المنحوتات.
ولسوء الحظ فإن الشواهد المعمارية التي كُشف عنها حتى الآن تتلاشى مع انحدار التل المركزي (الأكربول). وهي تضم الساحات والأروقة المحمولة على أعمدة خشبية قضى عليها الحريق لكن الحفرة المستديرة في الأرضية ما تزال تشهد عليها.

يصعب علينا في ضوء الاكتشاف الجزئي لرحاب القصر أن نعطي حكماً جازماً إلا أن لباحة الاستقبال في قصر إبلا الملكي، وظيفة مميزة في تطور الحياة الاجتماعية والإدارية للمدينة، وتتجلى تلك الوظيفة في تنسيق الفراغات العمرانية بشكل يتم فيه الانتقال تدريجياً من مناطق الأحياء السكنية إلى منطقة المباني الإدارية.
ولكن الضجة الكبرى حدثت خلال التنقيبات في عام 1975 عندما عثر المراقبون في إحدى غرف القصر الملكي على حوالي أربعين رقيماً طينياً مسطراً بكتابة مسمارية ، ثم الكشف عن غرفة صغيرة في رواق الباحة كانت تعج بآلاف الرقم الطينية بعضها كامل وكثير منها محطم ولقد بلغ تعدادها من النوعين حوالي سبعة عشر ألف رقيماً. وما أن تم إعلان الكشف عن مكتبة الوثائق الملكية في إبلا حتى تسابقت صحف العالم لنشر هذا الخبر تحت عناوين بارزة.
بيد أنه عثر في غرفة الأرشيف هذه على عدد ملحوظ من الرقم الطينية التي تحتوي على نصوص معجمية تتقابل فيها الكلمات السومرية مع مفردات اللغة التي كان يستخدمها أهالي إبلا (اللغة الإبلوية) إضافة إلى كتابة ألفاظ الكلمات السومرية. ويعتبر هذا الرقيم أقدم قاموس لغوي أكتشف في العالم يعود إلى 2250 ق.م.
إضافة إلى النصوص الأدبية والملحمية مع السجلات الاقتصادية للمملكة إضافة إلى الرقم التي تضمنت نصوصاً لمعاهدات دولية لعل تلك المعاهدة المعقودة بين مملكة إبلا ومملكة آشور.
واعتماداً على اللقى الفخارية التي عثر عليها في أنقاض القصر لابد أن الدمار في إبلا حصل حوالي 2250 ق.م ويتوافق هذا التاريخ مع عهد الملك الأكادي نارام سين الذي يفتخر في الكتابات التي تركها بأنه فتح إبلا ومدينة (آرمان) المدينتان اللتان لم يسبق أن فتحهما أحدٌ قبله منذ بدء الخليقة، إن نارام سين هو الذي قضى على إبلا بعد أن أشعل الحريق الهائل فيها، ولكن هذا الحريق حفظ لنا بفعل حرارته على أضخم الكنوز الأثرية في التاريخ. بل إن اللويحات الفخارية حين سقطت من فوق رفوفها على الأرض يوم الحريق ظلت محتفظة بترتيبها السابق ىلاف السنين حتى يوم الكشف .

فخلال عام 1976 وبعد اكتشاف المكتبة الملكية في إبلا وقبل أن تقول البعثة الأثرية المرخص لها كلمتها، وقبل أن تستكمل الدراسات العلمية للألواح المكتشفة، ظهرت على الساحة الأثرية تحركات صهيونية يهودية مفضوحة تريد أن تستغل هذا الاكتشاف الضخم لمصلحتها، مستفيدة من عطف الناس على التوراة ومن رغبتهم في التأكد من أحداث التوراة من خلال الكشوف الأثرية.
فلقد كان ثمة زمن آمن به الناس قبل تقدم علم الآثار والكشوف الأثرية أن التاريخ القديم مكتوب في التوراة وحسب وإن مهمة التنقيب الأثري هي التأكد من هذا التاريخ على هدى التوراة. وكان هم اليهود المستمر أن يبحثوا في أعماق الأرض عن أي أثر يسعفهم لتأكيد أوهامهم الأسطورية وذلك كجزء من عملية تهويد الأرض والإنسان ليسهل عليها الاستيلاء على المنطقة وتحقيق أحلامها من الفرات إلى النيل.
واستكمالا لهذا النهج فقد قام العالم اللغوي (جيوفاني بيتيناتو) عضو البعثة الإيطالية المنقبة في إبلا بترجمة "غير صحيحة" إن لم نقل مزورة لبعض اللوحات الفخارية التي من شأنها أن تخدم المطامع الصهيونية اليهودية في المنطقة ويمكن تلخيص مزاعم بيتناتو في النقاط التالية:
أولاً:
أشار بيتناتو إلى أن تحول أسماء الأشخاص الوارد ذكرهم في نصوص إبلا مثل ميكائيل واينائيل واشرائيل إلى ميكايا واينايا واشرايا دليل على أن العنصر (يا) أو (يهوا) إلهاً معنياً.
(على حد زعم بيتناتو) وذلك بفترة حكم الملك "ايبريوم".
وفي هذا الصدد فقد أثبت كل من البروفسور (الفونسو اركي) عضو البعثة الإيطالية المنقبة في التل الذي حل محل بيتناتو. إضافة إلى العالم (كروس الإمريكي + موللر الألماني) بأن اسم
(يهوا) لا وجود له في قائمة الآلهة التي كان أهالي إبلا يقدمون لها القرابين والأضاحي.
أما الإشارة السومرية التي تلفظ (يا) والمركبة في مقدمة أو مؤخرة أسماء الإعلام فهي أداة تصغير شاع استعمالها للدلع والتدليل وهي معروفة في اللغات السامية المتأخرة مثل ميكائيل تحولت إلى ميكايا وسالم تحولت إلى سويلم ورفائيل تحولت رفول وهكذا...
ثـانيـاً:
أدعى بيتناتو بأن ملوك إبلا كانوا يُمسحون بالزيت مثل ملوك إسرائيل القديمة، حيث يقول ما نصه: "فيما يتعلق بتعاقب ملوك إبلا (انتقال العرش من السلف إلى الخف) لم يعد بالإمكان الحديث في الوقت الراهن عن التعاقب السلالي (نظام الوراثة) بل لابد من الأخذ بنظرية أخرى أكثر ثباتاً، فهي تعتمد على عنصر هام جدا يتردد بكثرة في نصوص إبلا وهو عنصر الاحتفال بمسح الملك، فعنصر مثل هذا لا يمكن أن يمر دون أن يعيد إلى أذهاننا التقاليد التوراتية في مسح الملوك بالزيت، وهذا يعني أن تعاقب الملوك في إبلا كان انتخابيا إلى حد معين". (هذا على حد تأويل بيتناتو)
يعتمد بيتناتو في هذه المسألة على الفقرات التالية من نصوص إبلا:
في هاتين الفقرتين لا تتمتع الإشارة السومرية (ساج) بالمعنى (رأس) بل معادلة للكلمة الأكادية (رشتوم) التي تعني (البداية) ثم تطور المعنى ليصبح (نوع أول). بناء على ذلك فإن ساج الواردة في نصوص إبلا الآنفة الذكر تعني (زيت من نوع أول). بناء على ذلك ليس هناك أي تنويه إلى كلمة رأس يُراد مسحه بالزيت.
وفي هذا الصدد يقول العالم دوفو Deveau في كتابه المعروف (مؤسسات العهد القديم) مايلي: بناء على ذلك لم تكن عملية مسح الملوك من الطقوس الخاصة بإسرائيل وحدها، ففي النصوص الحثية مثلا نقرأ" وقد مسحوا (توت حاليا) بالزيت مسحا ملكيا".
ثـالثـاً:
ظهرت في نصوص إبلا أسماء أعلام مثل (اب - را - مو) + (آ - دا - مو) + (دا - ني - لوم) + (اش - ما ايل) + (اش - را - ايل) + (مي - كا - ايك) + (سا - او - لوم) + (اب - اورو - اوم) + (اب - رام).
وهذه الأسماء معروفة في التوراة كما أنها مثيرة جدا للاهتمام. إلا أنه من السابق لأوانه أن نعتمد على أسماء أعلام للأخذ بنظرية (دافيد نويل فريدمان) التي طرحها في مجلة الأثري التوراتي Bibical Ardcologist عدد 40 لعام 1977 حيث يقول: توفر لنا تلك الأسماء الدليل على تحديد تاريخ إبراهيم الخليل في الألف الثالث قبل الميلاد ...
إذا أدرنا تقييم هذا الأمر تقييما دقيقا فلا بد من التذكير بأن بعضا من تلك الأسماء معروفة في نصوص مسمارية ظهرت في مناطق مختلفة من سورية القديمة، وترقى إلى الألف الثاني والألف الثالث قبل الميلاد. مثل نصوص أوغاريت وماري. فالخلف يرث من السلف. وفيما يتعلق باسم (ايبريوم) أو إبراهيم فقد كتب بيتناتو مقالة في مجلة الأثري التوراتي عدد 39 لعام 1976 ما يلي: "من المؤكد أن أهم ملك في سلالة ملوك إبلا هو (ايبريوم) لاسيما وأن هذا الاسم يذكرنا بالتوراة فقد ورد في نصوص إبلا على الشكل (اب - اور - اوم).
وهناك احتمالات للقراءة. الاحتمال الأول (ايريوم) وهذا يذكرنا بـ (عبر) جد الساميين، كما ورد في سفر التكوين، وهذا الأمر مثير للدهشة. والاحتمال الثاني هو (ايبروم) وهذا يذكرنا بكلمة (عبري). وأنا شخصياً أود أن أختار الاحتمال الثاني (طبعا على حد تعبير بيتناتو).
لكن بيتناتو نفسه حاول بعد سنة من مقالته الآنفة الذكر، وذلك في مداخلته أمام المؤتمر الرابع والعشرين للآشوريات المنعقد في باريس 1977 أن يربط اسم (ايبريوم) مع الاسم الحوري (ايعزي) الذي يعني السيد باللغة الحورية. مع هذا تبقى النظريات في مستوى افتراضي للغاية.
ومن هنا يقارن الأستاذ باولو ماتية بين المصادر التوراتية والمصادر الأثرية في محاضرة ألقاها في الولايات المتحدة عام 1983 فيقول: "تفترض الآثار التوراتية من حيث الأساس أن الأزمنة التوراتية هي تعاقب زمني طويل تتخلله إحداث أسطورية مهدت السبيل لظهور الوحي الإلهي، بناء على هذا المنظور فإن شعوب الأزمنة التوراتية وحضارتها لم تكن لها بعد تاريخي حقيقي، بل هي مجرد خلفية للأحداث التوراتية وشخصياتها، وارتبطت قيمتهم من ناحية أخرى بمشاركتهم المفترضة في الإفصاح الحضاري الموصوف في الكتاب المقدس.
وبالمقارنة مع هذا الأساس الغائي الذي يميز علم الآثار التوراتية نجد أن علم الآثار الشرقية ينطلق من أسس مخالفة له للغاية فهو لا يهدف إلى تأكيد أو إثبات صحة ما جاء ذكره أو نوهت به الكتب التوراتية أو غيرها في ما يتعلق بالأحداث والمؤسسات والأعراف، يريد علم الآثار الشرقية تحقيق دراسة ميدانية للوقائع التاريخية المتعلقة بالحضارة موضوع الدراسة، إن كان ذلك من ناحية خصائصها البنيوية أو من ناحية التأثيرات المتبادلة خلال الفترة الزمنية التي عاشتها تلك الحضارة".
ومما لاشك فيه أن قصد المؤرخ والأثري من الكشوف هو التعرف على التاريخ وهو عندما يعتمد على التوراة أو على الأساطير فلأن المصادر التاريخية الحاسمة غير متوفرة. ولكن عندما تتوفر لديه المصادر الحاسمة فإن مهمته لن تتجه إلى تثبيت الكتاب المقدس أو الأسطورة بل تبقى لتأكيد التاريخ وتحقيقه.

ويقول الدكتور عفيف بهنسي المدير العام للآثار والمتاحف العامة في سوريا ( سابقاً ) في حديث أجرته معه جريدة النهار البيروتية بتاريخ 17/12/1978 يقول أن ثمة أسئلة عن أهمية التوراة كمصدر تاريخي بعدما أظهرت ألواح ماري وأوغاريت وإبلا أن الآداب ليست طارئة وإنما هي قديمة متداولة وأن القصص التوراتية هي القصص الرافدية والأوغاريتية والإبلائية.
ويضيف الدكتور بهنسي: بأن إبلا الوجود الحضاري أصبح حقيقة واضحة تدعمها وثائق علمية بعدما كان خبرا، وهو متفاعل مع الوجود الرافدي (الأكادي) وعدد كبير من المواقع والمدن المزدهرة بذلك الوقت، ورقعة هذا التفاعل تشمل شمالي سورية وجنوب الأناضول وغرب الرافدين وصولا للساحل. وإبلا التي منذ سنة 2400 قبل الميلاد عرفت التوحيدية والدليل أسماء إسماعيل وميكائيل وغيرها من الأسماء التي تذكرنا بأسماء آل إبراهيم تعود إلى عهد سابق لعهد إبراهيم بخمسة قرون.
وإبلا تشكل حلقة من سلسلة مدن أقام فيها أجدادنا القدامى حضارات تنتمي إلى أرومة واحدة، ودليلنا وحدة اللغات القديمة وقرابة لغة إبلا من لغة أكاد في الشرق ولغة كنعان في الغرب كما هي وحد العقيدة والتفاعل، فهل عقيدة إبراهيم قديمة ومعروفة يؤمن بها الناس في هذه المنطقة منذ بداية التاريخ وهل الأجداد البطريركيون أو آل إبراهيم هم مجموعة متناثرة من المؤمنين، لوجود أسماء متكررة لهؤلاء في ألواح إبلا وأن آل إبراهيم المعروفين هم رمز محدد لهم.
إنها مجموعة من الأسئلة ستحدث أجوبتها انعطافا في علم التاريخ. ولابد لتساؤلات كهذه يطرحها الدكتور بهنسي من أن تطرح تساؤلات أخرى مهمة جدا لعل أبرزها السؤالان التاليان:
أولا: ما علاقة حضارات شعوب مابين النهرين والشعب الكنعاني وشعب إبلا. وهل هي وجوه متعددة لحضارة واحدة أم حضارات متعددة لشعب واحد ذي أصول واحدة.
ثانيا: ما علاقة الأديان التوحيدية الثلاثة بالعقائد والأفكار الميثولوجية للشعوب القديمة في الشرق هل هذه تطوير لتلك وهي قامت على أساسها؟ هل يمكن اعتبار الأديان التوحيدية خلفا متقدما ومتطورا لأديان مابين النهرين وإبلا وأوغاريت وبلاد فينيقيا وميثولوجيتهم.
وبعد هذا العرض السريع للجدل القائم حول إبلا لا يسعنا إلا أن نردد ما قاله الأستاذ (رايني) مؤخراً: "إن ألواح إبلا تسلط الكثير من الأضواء على تاريخ بلاد الشام والشرق فلماذا نجالها مبتذلة من أجل الوصول إلى مماثلة توراتية زائفة" ؟
بناء على ذلك يقول صاحب الاكتشاف باولو ماتية، وينضم إليه جلّ علماء آثار وتاريخ الشرق الأدنى القديم، أنه يجب أن نضع نصب أعيننا التاريخ وليس الكتاب المقدس عندما نتناول المسألة الأساسية المتعلقة بمدى إسهام مكتشفات إبلا الأثرية والوثائقية في رسم الصورة الحضارية لبلاد الشام.
موقف السلطات في سوريا: عندما أدركت المديرية العامة للآثار والمتاحف ومدير البعثة الأثرية الإيطالية والمسؤول عن دراسة نتائج أعمال بعثته العلمية أن عضو البعثة السيد جيوفاني يحاول أن يستغل اختصاصه لتفسير قراءته للوحات المسمارية في إبلا على هواه ودون أن يرفق قراءته بالدليل المادي المتمثل بنشر النص السماوي الأصلي، معتمدا على الحماس العاطفي في الأوساط الأثرية التوراتية في الولايات المتحدة، وفي ضوء الكمية الهائلة للوحات المسمارية المكتشفة (سبع عشر ألف لوحة حتى الآن بين كاملة وناقصة) .
وسعيا إلى وضع نتائج قراءة اللوحات تحت تصرف الأوساط العلمية في كافة أنحاء العالم بالسرعة الممكنة، قامت المديرة العامة للآثار والمتاحف بالتعاون مع البعثة الأثرية الإيطالية وجامعة روما بتوجيه دعوة إلى كبار الاختصاصيين في قراءة الكتابات المسمارية في كل من بريطانيا والولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والعراق، للمساهمة الفعالة في قراءة لوحات إبلا ونشرها في مجلة (حولية إبلا) السنوية التي تتولى جامعة روما إصدارها باللغات الإنكليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية أما العلماء المشتركون فهم:
أولاً: البروفسور (أدموند سولبرجر) رئيس المسماريات المحفوظة في المتحف البريطاني.
ثانياً: البروفسور (جورجيو بوتشيلاتي) مدير معهد الآثار واللغات الشرقية القديمة في جامعة لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا.
ثالثاً: البروفسور (ديتزا دزارد) استاذ الكتبابات السماوية واللغات الشرقية القديمة في جامعة ميونيخ بألمانيا الغربية.
رابعاً: البروفسور (هورست كلينغل) مدير معهد الدراسات الشرقية القديمة في أكاديمية العلوم ببرلين في ألمانيا الديمقراطية.
خامساً: البروفسور (جان روبير كوبر) أستاذ اللغات الشرقية القديمة في جامعة ليج ببلجيكا.
سادساً: البروفسور (بول غاريلي) أستاذ اللغات الشرقية القديمة في جامعة السوربون بباريس.
سابعاً: البروفسور (بيليو فرونزا رولي) عميد كلية الآداب في جامعة فلورنسا.
ثامناً: الأستاذ (الفونسو أركي) أستاذ اللغات الشرقية القديمة في جامعة روما.
تاسعاً: الأستاذ الدكتور (فوزي رشيد) الاختصاصي المعروف في المسماريات من العراق الشقيق. إضافة إلى ممثل من قبل المديرية العامة للآثار والمتاحف في سورية صاحبة الدعوة.
يكلف العلماء المذكورون آنفا منذ مطلع عام 1978 بدراسة اللوحات المسمارية المكتشفة كل حسب اختصاصه وستصدر في المستقبل القريب سلسلة مجلدات عن محتويات أرشيف إبلا التي تتضمن نتائج دراستهم العلمية وستكون في متناول كل قارئ في جميع أنحاء العالم بمختلف اللغات العالمية ولكن يبقى العلم علما، حيث تكون الحقيقة رائدة كل باحث ودارس وعالم، وحتى تبقى الموضوعية قوام كل عمل جاد ينشد الحق ويعتمد على المنطق ويستند إلى العقل، لابد من أن ينطوي المرء على جملة من الصفات تنأى به عن التعصب والتحيز والهوى.
وأخيراً وليس آخراً أقول بأن بُعدنا عن قراءة نصوصنا التاريخية بأيدينا نحن العرب قراءة مسؤولة وواعية، تؤدي بنا إلى مطبات كبيرة وخطيرة، تؤدي بنا إلى أن يؤول العلماء الجانب هذا التاريخ (بقصد أو بغير قصد) لصالح المدارس التوراتية المدعومة من قبل المؤسسات الإعلامية اليهودية على مساحة العالم. كما حدث معنا في نصوص إبلا وكما سيحدث في المستقبل في أي مكان آخر بالعالم العربي، إن لم نعي هذا الموضوع ببعده العلمي والوطني.
ومن ناحية أخرى فإن قراءة النصوص الإبلائية من قبل اختصاصيين عرب تعتبر هي القراءة الأقرب إلى الصواب وذلك لأن اللغة الإبلائية واللغة العربية لهما جذر لغوي (سامي) مشترك (من عائلة اللغات السامية القديمة). وأن تنازلنا عن تاريخ أمتنا الحقيقي وأخذنا بنظرة إلى الحياة غير نظرتنا الأصلية المستمدة من نفسيتنا الحقيقية ذلك يعني شذوذ هذه النفس عن محورها الأصلي وفقدها خصائصها التي تميزها عن غيرها من الأمم في مجرى التطور.
أخيراً إليكم هذا المثال من حياتنا اليومية يدل على مدى تأثرنا بالموقف اليهودي دون أن نشعر بذلك نتيجة لبعدنا عن حضارة هذه الأمة. فشخصية شمشون ذلك اليهودي الجبار، الذي أذل الكنعانيين وأذاقهم الهوان. حيث تقدمت منه امرأة فلسطينية اسمها دليلة لتنقذ وطنها وشعبها فتخلصهم من ذلك المتغطرس وجبروته. فاستخدمت كل وسيلة حتى تقربت منه وسيطرت عليه وأخضعته لإرادتها حتى تمكنت منه ثم جردته من قوته...
فحققت لشعبها الخلاص من ذلك اليهودي ولو كان ذلك بالخديعة (فالحرب خدعة). فماذا نصف دليلة هذه في حياتنا وموروثنا الشعبي وحديثنا اليوم؟ نقول أنها دليلة المحتالة، والأم أحيانا إذا أرادت أن تعنف ابنتها تقول لها (آه منك يا دليـلة يا محتـالة) بمعنى أننا جعلنا البطلة الكنعانية (الفلسطينية) رمزا للاحتيال، في حين جعلنا شمشون اليهودي رمزا للبطولة والحق. فكيف ذلك؟ وبمعنى آخر هل نتبنى الفكر اليهودي الصهيوني بحذافيره في حياتنا اليومية؟ وبذلك تترسخ المفاهيم الجديدة بحكم التكرار... ويأتي يوم يقوم فيه أي باحث أو دارس ليعتبر ذلك كله من التراث اليهودي وهنا المصيبة الكبرى، وهناك أمثلة كثيرة حول هذا الموضوع (مثل الأزياء والعملة والفولكلور والآثار...).
المهندس عـماد سعـد
إعلامي وباحث في البيئة والتاريخ (لاذقاني مقيم في أبوظبي)
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (1 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك