مجلة الموقع
الإيميل:
اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام (3من3) | تحقيقات | الرئيسية

اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام (3من3)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محاولات فـك رموز الرقـيم:

المحاولة الأولى: كان الباحث الأميركي "هانز غوتربوك" أول من ميز النوتة الموسيقية واكتشف بأن الرموز في الحيز الأسفل عبارة عن أسماء لأبعاد موسيقية يلي كل بعد منها رقم، ولكنه توقف عند المشكلة الأساسية، وهي: كيف نترجم موسيقى مكتوبة بشكل بعد موسيقي يليه رقم؟

المحاولة الثانية: بعد ذلك جاء العالم الانكليزي «ولستان» عام 1971 بأول محاولة لترجمة موسيقى الرقيم الأوغاريتي، ولكنه أقر بعجزه عن إيجاد التوافق بين الموسيقى ونص الترتيلة الحورية، حيث قام بأخذ أول بعد وأسماه على سبيل التجربة «دو - صول» يليه عدد ( 3 ) وعزف استناداً إلى ذلك ثلاث علامات «دو - ري - مي» ولكنه توقف عن الاستمرار في عمله للأسباب التالية: عدم تطابق كلمات الأغنية مع اللحن تماماً. كما لم يتمكن من إيجاد التفسير المناسب لبعض مقاطع اللوحة.

المحاولة الثالثة: بعد ذلك تصدى ثلاثة باحثين من الولايات المتحدة الأمريكية لحل اللغز، وهم "آن.د.كليمر" وهي باحثة في الأكاديات، و "ريتشارد.ل.كروكر" وهو موسيقي، و "روبرت.ر.براون" وهو فيزيائي. فقد حاولت "آن. كليمر" بأن تطابق عدد الكلام مع عدد العلامات الموسيقية واحتاجت للوصول إلى ذلك إلى إعادة أقسام من الأبيات الشعرية وأقسام من التدوين الموسيقي دون براهين كافية تبرر تلك الإعادات، ولم تنجح.

ugarit3_858915873.jpg

في حين بدأ هؤلاء مجتمعين بدراسة النصوص الرافدية الموسيقية، والتي تقدم شروحات نظرية بخصوص الأشكال الموسيقية، وتصف كيفية دوزنة أوتار القيثارة. بعد ذلك جرى تصنيع قيثارتين وفق النماذج القديمة، وذلك بالاستناد إلى المادة الآثارية والنصية؛ فقد صنعت القيثارة الأولى وفق نموذج سومري عثر عليه في المقابر الملكية بمدينة أور، وصنعت القيثارة الثانية وفق نحت بارز من العاج عثر عليه في موقع مجدو بفلسطين الشمالية، وهو موقع قريب من أوغاريت جغرافياً وثقافياً. بعد ذلك تمت دوزنة القيثارتين وفق المبادئ المشروحة في النصوص الرافدية. مزودين بهذه العدة، قدم الباحثون الثلاثة تفسيرهم للنوتة الأوغاريتية بعد أن تغلبوا على مشكلة عدم التوافق بين بعض أجزاء النوتة والترتيلة المدونة في الأعلى، وسجلوا تفسيرهم هذا على اسطوانة وزعت في الأسواق عام 1975 تحت عنوان «أصوات من الصمت». ولكن هذا التفسير لم يُرضِ كثيراً من الباحثين أنفسهم، فظهر بعدهم تفسير للسيدة "دوشين جيومان"، وآخر للسيدة "ميشيل كيما".

المحاولة الرابعة: قامت السيدة البلجيكية «ميشيل كيما» بمحاولة مماثلة لمحاولة «آن كيلمر» ولكنها من أجل تحديد العلامات الموسيقية أضافت ثلاث علامات موسيقية وقامت بالرجوع والتكرار حتى تستطيع إكمال العدد المطلوب، ولم تنجح.

المحاولة الخامسة: جهود وطنية متميزة:ونظراً لأهمية هذا الموضوع وهذا الرقيم الموسيقي فقد كانت المحاولة الأخيرة للفيزيائي والباحث السوري المرحوم "راؤول فيتالي" بالاشتراك مع الباحث الموسيقي "زياد عجان" وكلاهما من مدينة اللاذقية على الساحل السوري موطن الأبجديتين (الأبجدية الهجائية والأبجدية الموسيقية)، معتمداً على تخصصه الأكاديمي في مجال الرياضيات والفيزيائي (من الجامعة الأمريكية في بيروت)، بجهود فردية مضنية على مدى أكثر من عشر سنوات، حيث تمكن من تفسير طريقة التنويط بعد مطابقة نص الأنشودة والنوتة الموسيقية وقد اعتمد في دراسته بشكل رياضي على تحديد نسبة تواتر كل نغمة في السلم معتمداً على توزيع الأوتار في السلم الموسيقى واعتبار السلالم السومرية الأكادية سلالم نازلة. فيما قام زياد عجان بعزف هذه المقطوعة الموسيقية على البيانو بإشراف راؤول فيتالي، وكانت هذه أول محاولة متكاملة وناجحة لفك وعزف أنشودة العبادة الأوغاريتية بعد 3400 سنة لآخر موسيقي عزفها في القصر الملكي بأوغاريت. 

ugarit4_205324520.jpg

لقد اطلع "فيتالي" إلى ما هو معروف عن الواقع الحضاري أيام الأكاديين الذين كانوا يكتبون بواسطة مقاطع كلامية كاملة ويهملون الحرف تماماً والسبب لم تكن لديهم أبجدية أحرف حتى في الموسيقى لم يكن لديهم تدوين موسيقي، لأن الموروث الحضاري لديهم كان يعتمد على المقطع وليس على الحرف في الكتابة والحال مماثلة في الموسيقى. لذلك قال الباحث "فيتالي" أنه ينبغي عزف جميع نوتات البعد بالتتالي، يعني مثلاً البعد دو-صول يعني عزف جميع النغمات دو-ره-مي-فا-صول بدون زيادة أو نقصان، وبحث إذا كان من الممكن أن تكون هذه الأعداد قد وضعت لتحديد إيقاع ما أو زمن ما.

واكتشف أن اعتبار الأعداد أزمنة يؤدي إلى مطابقة كل سطر من التدوين على بيت من الأنشودة وأن زمن الإيقاع الثلاثي يحدد زمناً واحداً لكل مقطع كلامي ونتيجة لذلك ينقسم النشيد الأوغاريتي إلى الشكل التالي:

السطر الأول من التدوين هو عبارة عن مقدمة موسيقية دون كلام.

السطر الثاني من التدوين يطابق البيت الأول من الأنشودة.

السطر الثالث من التدوين يطابق البيت الثاني من الأنشودة.

السطر الرابع من التدوين يطابق البيت الثالث من الأنشودة.

السطر الخامس من التدوين يطابق البيت الرابع والأخير من الأنشودة.

السطر السادس والأخير من التدوين هو عبارة عن خاتمة موسيقية دون كلام.

 ugarit1_108756558.jpg

واستطاع التوصل إلى أن كل مقطع صوتي يشكل وحدة إيقاعية وكل ثلاث وحدات تشكل قياساً موسيقياً، والزمن في لوحة التدوين مثلها زمن موسيقى الفالس "ص لا سي" وأصبح بذلك  لدينا موسيقى ثلاثية يتوافق فيها الكلام واللحن معاً ولها مقدمة وخاتمة موسيقية وتوصل إلى أن الأوغاريتين والرافديين استعملوا نفس الطريقة لتدوين الموسيقى واعتمدوا مقاطع لحنية يتألف كل واحد منها من مجموعة نغمات تدل على حقيقة حضارية كبيرة وهى العثور على الأبجدية الموسيقية في باطن أرض أوغاريت وجميع الأبحاث أكدت ذلك وبتوثيق علمي ومنهجية بحثية دقيقة. فمثلما قدمت مملكة أوغاريت للبشرية جمعاء أول أبجدية هجائية في العالم، كذلك قدمت من خلال رقيم أوغاريت "أنشودة العبادة" أول أبجدية موسيقية في العالم .

رقيم مسماري بلغة الحب:

ويشار إلى أن كاتب الرقيم يدعى " ريلي ميلو " وهو أوغاريتي قام بتدوينه في عهد الملك " نقماد الثاني " الذي حكم مملكة أوغاريت منذ العام 1370 ق. م. وحتى العام 1340 ق. م. وقد أفادت الترجمة العربية بأن هذا الرقيم يتطرق إلى " أنشودة دينية " باللغة الحورية كما أسلفنا للآلهة "نيكال" زوجة إله القمر، تحمل كلماتها عبارات رقيقة كتبت بأسلوب شاعري رقيق مثل (محبوبة القلب) ، (أنتِ تضمرين لهم الحب في القلب) ، (إنما منكِ ولدنا).

بالإضافة إلى هذا الرقيم فإننا نَـلمح من خلال النصوص الأدبية الأوغاريتية مقاطع عدة تدل على الغناء والموسيقى نذكر منها ما جاء في أحد الرقيمات المسمارية: المقطع (آ) الذي جاء فيه: غنِ إكراماً لبعل (إله المطر) وراح يرتجل ويشدو البطل ذو الصوت الجميل إكراماً لبعل الساكن في أعلى الجبل. والمقطع (ب) الذي جاء فيه: أشدو واسمع بعض الموسيقى من القيثارة والناي من الطبلة والصنجين من الصنجات العاجية.

وكان الموسيقيون الأوغاريتيون متقدمين في ترتيب العبارات الموسيقية والكلمات الرقيقة بطريقة سلسة يفهمها ويتذوقها الجميع .

 ugarit2_256734979.jpg

الآلات الموسيقية المستخدمة في أوغاريت:

أكدت الاكتشافات الأثرية التي تحققت خلال سنوات القرن الماضي في أوغاريت على الأهمية الكبيرة للموسيقى في المجتمع الأوغاريتي، بوجود الكثير من الدلائل المادية نذكر منها تماثيل لعازفة الطبل ومنحوتات ونماذج لأدوات موسيقية عدة نذكر منها:

1- الآلات الإيقاعية: الدف، الطبلة، والصنوج بنوعيها العاجي والبرونز.

2- آلات النفخ: الناي، البوق. 

3- الآلات الوترية: القيثارة، الكنارة، الطنبور، العود.

كما عثر في القصر الملكي بأوغاريت على بوق من العاج وعثر أيضاً على صنج من البرونز في منزل رئيس الكهنة كما عثر على دمية طينية تعود إلى القرن الرابع عشر ق. م.‏

من جهة أخرى وفي معرض التعليق على أهمية استرجاع وتثبيت حقوقنا التاريخية في الإرث الحضاري الذي تركله لنا الآباء والأجداد في مختلف المجالات (الموسيقية والعلمية والأدبية والدينية...) منذ ما قبل التاريخ الجلي وحتى الآن يقول الكاتب زهير جبور في مقال نشر في الملحق الثقافي بجريدة الثورة السورية تحت عنوان (موسيقى سبقت زمن فيثاغورث اليوناني ونسيناها مرمية في أوغاريت) أن شعوب العالم تتباهى بموسيقاها، ويقيمون لها المهرجانات، فهي التي تبرز روح الأمة ورقيها، وتعبر عن صفاء نفوس عشاقها، فالنغمة الأصيلة بجمالها تبعث على النشوة وهم يسترجعون أمجادهم من خلالها ويحيونها، ويخلصون لها، ومن أجل ذلك أوجدوا القاعات الأنيقة (بديكورها) التراثي للاستماع إليها ضمن طقوس مقدسة لا يجوز اختراقها، ففي أمريكا تتجدد ذكرى موسيقى (الروك) ومحبيها كل عام بين صخبها ورومانسية (ألفس برسلي) وكذلك الحال مع (الجاز) وهذا ما يجري في معظم البلدان، وتغيب مثل هذه المناسبات ببلادنا العربية، ولا تذكر الموسيقى إلا نادراً، أو عبر لقاءات إعلامية مرئية ومكتوبة ولا تجد من يهتم بها، وهي من صلب الثقافة، والمرآة العاكسة لطبيعة المجتمع وتطوره، ومن خلالها يُعرف التاريخ، ففي الصين تعزف حتى اليوم موسيقى الأباطرة وقد انضمت إلى تراث الشعب، فهل نفتقر كشعب عربي إلى خصوصيتنا في هذا المجال؟ وما هو تأثير موسيقانا على بقية الشعوب إن تجردنا عنها، بل ونسيناها، وأهملناها، ليغيب من خلال ذلك جانباً هاماً من إرثنا يعبر عن ذوقنا العام؟ وفي أوغاريت المملكة الأثرية الكنعانية الخالدة يرجع عمر الموسيقى فيها إلى 1400 عام قبل الميلاد، وقد سبقت زمن (فيثاغورث) اليوناني عالم الرياضيات الشهير الذي جُـيِّرَ هذا الاختراع له عالمياً (ربما لأنه لم تكن المكتشفات الأثرية بعد قد أعطت الدليل على ما هو أقدم من ذلك بكثير)، وحين وجدت النوتة الطينية بعد اكتشاف مملكة أوغاريت الكنعانية تأكدت هذه الحقيقة، وظهر أن الأوغاريتيين هم الأوائل في اختراعها، ونسبت لغيرهم، وما من مدافع عن الحق الشرعي لهم.

تلك أسئلة مشروعة حقاً وتحتاج إلى من يجيب عليها، ولعل هذا البحث ومن خلال هذا المنبر المُنير (مجلة الظفرة) فيه خير دليل وإعلام على أهمية حقنا التاريخي في هذا الإرث المشرف من تاريخ الحضارة السورية والعربية على وجه العموم. في حين أن الباحث الدكتور علي القـيّم ومن موقعه كمعاون وزير الثقافة السوري، يشير إلى أن أهمية هذا الرقيم " الأنشودة الاوغاريتية " لم يقف عند هذا الحد بالإضافة إلى دوره الكبير في إحداث تغيير أساسي في تحديد عمر وتاريخ الموسيقى الغربية والإجابة على أسئلة الكثير من العلماء والمهتمين بتاريخ التدوين الموسيقي. فالنتيجة الباهرة التي أوصلنا إليها اكتشاف هذا الرقيم، هو أن السلم الموسيقي السباعي، والنوتة الموسيقية ليست ابتكاراً يونانياً، بل هي من جملة الابتكارات الرائدة لحضارة أوغاريت كجزء الحضارة السورية في الشرق القديم عامة. لقد كان العالم بأسره يظن بأن أول قطعة موسيقية مدونة على السلم السباعي الدياتوني كانت مقطوعة موسيقية عزفت في إحدى مسرحيات الكاتب التراجيدي اليوناني "يوربيديس" في أواسط القرن الخامس قبل الميلاد، أما الآن فكلنا قد عرفنا وقد ثبت للعالم بما لا يدع مجالاً للشك أن الرقيم المسماري الأوغاريتي هو أقدم بما لا يقل عن ألف عام على اقل تقدير من أقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب على أساس السلم الموسيقي الذي ينسب إلى (فيثاغورث) الإغريقي عام 500 ق.م.

المراجـع:

1-   الموسيقى تـاريخ وأثـر، د. علي القيّم – دار الشيخ بدمشق الطبعة الأولى 1988

2-   الموسيقى الشرقية، د. سـليم الحـلو – دار الحكمة بيروت 1975

3-   لقاء شخصي مع الباحث راؤول فيتالي، في مدينة اللاذقية.

4-   متابعة خاصة عبر الإيميل مع ألفريد ورامي (أبناء المرحوم راؤوول فيتالي) 2008 

5-   لقاء شخصي مع الباحث والموسيقار زياد عجان، في مدينة اللاذقية.

6-   راؤول فيتالي، التدوين الموسيقي الأوغاريتي، مجلّة الحياة الموسيقية، العدد 6 لعام 1994

7-   مجلة الحوليات الأثرية السورية، المجلدان 29 و 30 سنة 1979 و 1980

6- ويكيبيديا، الموسوعة الحرة على شبكة الانترنت.

7- زهير جبور، جريدة الثورة السورية، الملحق الثقافي 6/2/2007 

8- زيد قطريب، جريدة تشرين السورية، في لقاء خاص مع نوري اسكندر 7/2/2008

9- فراس سواح، جريدة الثورة السورية، الملحق الثقافي 23/5/2006

--------------------------------------------------------

(#) الكنارة: إن التسمية العربية كـنّارة ترجع في أصلها إلى الاسم البابلي (كناروم) وهي آلة قديمة أصبحت تعرف في وقتنا الحاضر في بعض الأقطار العربية باسم (السمسمية) وفي اللغات الأوروبية تعرف باسم آلة (اللير). جدير بالذكر أننا بتنا نلاحظ أنه كثيراً ما يحدث الخلط في الاستعمال بين آلة الهارب والكـنارة.

انتهى

يسبق حلقتان

المهندس عماد سعد

LattakiaNews

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (3 تعليقات سابقة):

بنت الشاطيء في 15 October, 2009 03:50:40
avatar
هذه العراقة بالتدوين الموسيقي والابداع مستمرة بالموسيقار علي الديك وربيبه الموسيقار ثائر العلي-وينك ابو عليش
خولة قلعةجي حرم الجملي في 17 April, 2010 12:35:26
avatar
اذا امكن اضافة دراسة حول الفن في اوغاريت لاسيما الفنون التشكيلية
عبدالله خضور في 07 November, 2010 12:05:54
avatar
أكثر من رائع أن نعرف ماتحويه آثارنا من حضارة وفن
ولكن نرجو أن ترفعو لنا كل مايتعلق بموسيقى أوغاريت وياحبذا إذا كان يوجد تدوين موسيقي لهذه المكتشفات

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
5.00
All rights reserved Lattakianews.com 2008 - 2009

Design and development by Al-walid.net