اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام (2 من3)
بدايـة المشـوار:
للموسيقى والآلات الموسيقية كمدلول أثري ومادي له تاريخ طويل في منطقة الشرق القديم يمتد إلى العصور الحجرية. ومع فجر التاريخ في كل من مصر وسورية وبلاد الرافدين، وتأسيس المدن الأولى، شهدت المنطقة نهضة جمالية شاملة تجلت في العمارة والأدب والفنون التشكيلية والموسيقى. إن ما وصلنا من الوثائق النصية وأعمال الفن التشكيلي من عصر فجر السلالات في وادي الرافدين (أي النصف الأول من الألف الثالث قبل الميلاد) يدلنا على مدى تطور الحياة الموسيقية لإنسان الشرق القديم خلال تلك الفترة المبكرة. فمن الوثائق النصية لمدينة "لجـش" السومرية مثلاً، نعرف عن وجود معاهد مختصة بتعليم الموسيقى، تُـدَرَّسْ أصول الغناء والعزف على الآلات الموسيقية، ونعرف أيضاً عن وجود فرق إنشاد ديني في المعابد، يُـدَرِبُها ويقودها مُعلم خاص هو أشبه بقائد الأوركسترا في العصر الحديث. كما وتدلنا الأعمال التشكيلية المبكرة على استخدام الموسيقيين لعدد من الآلات الموسيقية لا يقل تنوعاً وتطوراً عن الآلات المستخدمة في العصر الحديث. فمن الآلات الإيقاعية هنالك الطبل، والدف، والصنوج، والعصي التي تقرع ببعضها، والمصفقات، والأجراس. ومن الآلات النفخية هنالك الناي، والمزمار، والبوق المصنوع من القرن أو العاج ومن الآلات الوترية هنالك العود، والهارب، والكـنّارة، والقانون، والربابة.

مثل هذا التنوع والغنى في الحياة الموسيقية، لابد وأنه ترافق مع تطور للأسس النظرية للموسيقى يجعل منها علماً. وهذا ما بدأنا نتلمسه منذ زمن ليس بالبعيد عندما ظهرت تباعاً في مواقع وادي الرافدين وبلاد الشام رقم مسمارية تعدد أسماء أوتار بعض الآلات الوترية وتذكر مقاماتها الموسيقية.
إن بداية معرفة الإنسان للموسيقى كانت من الإيقاع، والإيقاع من النغم، والنغم هو أصل الموسيقى. فالأصوات التي سمعها الإنسان منذ نشأته الأولى حيث وعاها وأدركها وحاول تقليدها ثم آخى بين بعضها وزاوج بين بعضها الآخر، تكونت لديه موهبة جديدة مسلية محزنة مفرحة. ثم اخترع الإنسان الآلات الموسيقية والأدوات التي تصدر عنها تلك الأصوات، ثم شارك أو دمج بين صوته وصوت الآلة بانسجام جديد وعمل طريف ما زال يتطور ويتقدم حتى تكونت الموسيقى كما نعرفها اليوم.
ثم جاءت الأديان الوثنية المختلفة (كما هو معروف) بطقوس وعبادات أنسجم أدائها في الحركة والصوت مع الموسيقى التي أدخلها الإنسان ليقوي فكرة التوافق الحركي والصوتي في العبادة وطقوس الأديان وظلت الأديان والمعتقدات ردحاً طويلاً من الزمن متخذة من الموسيقى والألحان وسيلة متممة لرسالة المعابد والهياكل وأداة لبعث النشوة الروحية في المتعبدين، وقامت الموسيقى بدورها الكبير في تحريك الوجدان وتغذية المشاعر لإنسان عاش طويلاً في عصور العنف والقسوة والقوة وصراع الطبيعة من أجل البقاء.

التدويـن الموسيقي:
إن كل لغة في العالم تعتمد في بنيتها الأساسية على أبجدية مؤلفة من مجموعة من الأحرف تبنى عليها اللغة، كذلك يعتبر السلم الموسيقي الدعامة الأساسية التي بنيت عليها الموسيقى والذي يتوقف على قوة بنائه سيرها المتطور رقياً وتقدماً. فالسلم الموسيقي هو الأساس الذي يبنى عليه اللحن وتقوم على صحة تركيبه موسيقى الأمة.
ويقول الباحث الدكتور علي القيم (معاون وزير الثقافة السوري) في هذا المجال أنه طالما تشوق الباحثون في الموسيقى العربية لمعرفة هذا التاريخ، وما كانت عليه الموسيقى العربية قديماً من كيان وقوة ورقي، وما كان لألحانها من طراز ولنظرياتها من مبادئ، ومدى ثقافة العاملين في حقلها.
وأضاف نظراً لندرة الوثائق في هذا المجال قبل سنوات قليلة ماضية وقلتها وغموضها. ولأن تاريخ علم الموسيقى كان يقف عند الموسيقى اليونانية، والسلم الموسيقي الذي أقامه (فيثاغورث) عام 500 قبل الميلاد، أعـتُبِرَ أساس السلم الموسيقي الغربي الحالي / السباعي الدياتوني / وأن أقدم قطعة موسيقية عرفها الغرب هي قطعة (أوريستيس) المسرحية الموسيقية التي ألفها (يوربيدس) أعظم شعراء المأساة الإغريقية.
ولكن المكتشفات الأثرية الحديثة التي تمت في العديد من مواقع حضاراتنا السورية القديمة في بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين، قد غيرت الكثير من المفاهيم القديمة حول هذا الموضوع وغيره. وقدمت لنا معلومات جديدة مذهلة تثبت الدور العظيم والمستوى الرفيع الذي وصلت إليه موسيقانا وهي بطبيعة الحال أقدم بأكثر من ألف سنة من الموسيقى اليونانية (المشار إليها آنفاً)، وهذا ما يدعونا لإعادة التقويم واسترداد ما أخذته الحضارة اليونانية منا.
النوتـة الموسيقية:
في العام 1948 اكتشفت البعثة الأثرية الفرنسية العاملة منذ العام 1929 في موقع رأس الشمرة (مملكة أوغاريت الكنعانية) شمال مدينة اللاذقية بـ 11 كلم على الساحل السوري المطل على حوض البحر الأبيض المتوسط، اكتشفت البعثة مجموعة هامة من آلاف الرقم الطينية المكتوبة بالحرف المسماري وبعدة لغات كانت سائدة آنذاك. وكان منها رقيمان طينيان مكسوران تم اكتشافهما بين أنقاض القصر الملكي خلال الموسم التنقيب رقم 15 عام 1951 أعطيا الرقم 15,30 و 15,49 وبعد موسمين تنقيبـيين أي في العام 1953 تم العثور في منطقة القصر الملكي أيضاً على قطعة من رقيم طيني في حالة سيئة جداً أعطيت الرقم 17,387 .
وقد تضمن الرقيمان بعض الرموز بالحروف المسمارية ولم يعرف آنذاك مدلولها وهذا ما استرعى انتباه علماء الآثار واللغات الشرقية القديمة وكان منهم العالم الأثري «عمانوئيل لاروش» الأستاذ بجامعة ستراسبورغ بفرنسا. تعرف لاروش على هذه القطع الثلاثة باعتبارها أجزاء من رقيم واحد مكسور، واستطاع جمعها إلى بعضها في توافق كامل. كان قد شَكَّل هذا الرقيم بعد ضم أجزائه إلى بعضها البعض مستطيلاً طوله سبعة إنشات ونصف وعرضه ثلاثة إنشات. حيث قام بدراستها وترجمتها ونشر النص باللغة الفرنسية في المجلد الخامس من النشرة الرسمية الخاصة ببعثة التنقيب الفرنسية المسماة "أوغاريتيكا" وذلك عام 1967 .
بعد أن تم جمع أجزاء الرقيم إلى بعضها البعض، واستنساخه ونشره، غدا في حالة تسمح بدراسته من قبل بقية المختصين والباحثين حول العالم. كان رقيماً غير اعتيادي، ففي قسمه الأعلى على الوجه الأول كتابة في أربعة سطور تلتف لتحيط بالرقيم من الوجه الثاني، يليها على الوجه الأول خطان أفقيان فاصلان، تحتهما في القسم الأسفل ستة سطور مؤلفة من رموز وإشارات لا من كلمات أو تعابير. وقد تبين للباحثين بعد دراسة هذا الرقيم أن السطور الأربعة في الجزء العلوي للرقيم تحتوي على ترتيلة دينية قديمة (تحتوي على كلمات يدور محورها حول الآلهة «نيكال» زوجة إله القمر) مدونة بالخط أو الحرف المسماري الأكادي واللغة الحورية نسبة إلى الحوريين الذين حكموا شمال بلاد الرافدين وبلاد الشام منذ نهاية القرن الثامن عشر قبل الميلاد وحتى القرن الخامس عشر قبل الميلاد، وهي إحدى اللغات الرئيسية المستعملة في أوغاريت، أما السطور الستة الواقعة في الجزء السفلي من الرقيم تحت الخطين فهي عبارة عن إشارات موسيقية من نوع ما، في حين نجد التدوين الموسيقي لهذه الأنشودة (مدونة باللغة الأكادية المقطعية التي كانت متداولة رسمياً في ذلك العصر في بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام) نظامها شبيه بنظام الأبعاد الموسيقية التي كانت سائدة في ذلك الوقت.
ولكن الكلمات المدونة لم يستطع علماء الآثار واللغات القديمة التعرف على مدلولها ونظامها سوى أنها كلمة وبعدها عدد. فهي توجه العازفين إلى طريقة أداء اللحن. أما الأداة الموسيقية المختارة للعزف فهي القيثارة. وهكذا فإن هذا الرقيم الذي أعيد تجميعه يحتوي على أول تدوين موسيقي معروف في تاريخ الثقافة الإنسانية.
وفي الناحية الشرقية من بلاد ما بين النهرين وفي الستينات من القرن العشرين اكتشفت لوحة طينية مسمارية أخرى في مدينة " أور " في بلاد ما بين النهرين يعود تاريخها إلى 1800 ق.م. ذكرت أسماء أوتار الكنارة والأبعاد الموسيقية والمقامات الموسيقية وطريقة التحويل بينها عن طريق تغيير دوزان الأوتار. كما تذكر لوحة " أور " أسماء آلة الكـنّارة (#) وهي آلة موسيقية تحتوي على تسعة أوتار، وتقول اللوحة أن أسماء أوتار الكنّـارة تتوزع على الشكل التالي:
1- الوتر الأمامي 2- الوتر التالي 3- الوتر الثالث الرفيع 4- الوتر الرابع الصغير
5- الوتر الخامس 6- الوتر الرابع الخلفي 7- الوتر الثالث الخلفي 8- الوتر الثاني الخلفي
9- الوتر الخلفي.
وفي لوحة فخارية مشابهة (اكتشفت في غير موقع في بلاد ما بين النهرين) دون عليها أربع عشر كلمة وأمام كل كلمة اسم وترين من أوتار آلة الكنّـارة التي ورد ذكرها في لوحة " أور " آنفة الذكر. فعلى سبيل المثال كلمة "امبوبو" اتضح أنها آلة «الناي» وكلمة "كيتمو" معناها مغلق وكلمة "فيتو" معناها مفتوح، ومن خلال المقارنة والبحث تبين أن هذه الأسماء الموجودة على اللوحة الأكادية المكتشفة في "أور" هي نفس الأسماء الموجودة على القسم السفلي من اللوحة الأوغاريتية. هذه الكلمات لابد أنها كانت تعني أبعاداً موسيقية ويرجح أن هذه الأبعاد تعني تتالي العلامات الموسيقية التي تتراوح بين الوتر المذكور في البداية والوتر الآخر. كما هو واضح تماماً في الرقيم الطيني أو اللوحة المكتشفة في أوغاريت السورية، وبذلك أصبح لدينا معروفاً أسماء الأبعاد الموسيقية وأرقامها. فاللوحة كتبت إذن بطريقة التدوين الموسيقي.

وهذا الاكتشاف بحد ذاته قاد العلماء والمهتمين على مستوى العالم ممن لديهم خبرة في قراءة النصوص المسمارية أو الموسيقى، إلى إعادة النظر في قراءة اللوحات الموسيقية المكتشفة قديماً كما هو الحال في اللوحة الفخارية القديمة (موجودة في متاحف ألمانيا) المكتشفة عام 1919 في بلاد ما بين النهرين والتي تحتوي على أغانٍ وأسماء الأبعاد الموسيقية.
وأخرى توجد في المتحف البريطاني تعود إلى العهد البابلي في القرن 16 ق.م. وهي تحمل إشارات موسيقية، وهكذا نرى أنه قد استطاع علماء الموسيقى من خلالها التوصل إلى أصول السلم الموسيقي والمقامات التي كانت سائدة. واللوحة تتألف من 12 فقرة إحدى فقراتها تقول:
إذا كانت الكـنّارة مدوزنة على " إشارتو" وهو اسم مقام، يكون " القبليتو " غير ملائماً أو غير صافياً وعند ذلك يجب تغيير الوتر 2 والوتر 9 فتصبح الكـنّارة على " كيتمو " أي تغير الدوزان وأصبح جيداً.
وهذه اللوحة بالذات قدمت لنا معلومات هامة عن طريقة دوزان الأوتار وتُعيّن في كل حال الوتر الذي يجب تغيير دوزانه للانتقال من أحد المقامات إلى مقام آخر.
حيث استطاع العالم الألماني " كونة " أن يحدد الأبعاد تماماً بشكل لا غبار عليه، فحدد كل الأبعاد والمقامات الصوتية نهائياً واتضح بما لا يقبل الشك أن شعوب منطقة بلاد الشام وبلاد ما بين النهرين قد عرفت السلم الموسيقي السباعي (الدياتوني المعروف حالياً) وكان عندهم سبعة مقامات وهي نفس المقامات المنسوبة إلى العالم الإغريقي (فيثاغورث).
يتبع حلقة واحدة
المهندس عماد سعد
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك