مجلة الموقع
الإيميل:
اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام (1 من3) | تحقيقات | الرئيسية

اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام (1 من3)

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image الرقيم الذي اكتشف في أوغاريت وعليه نوطة موسيقية

 اكتشاف التدوين الموسيقي في بلاد الشام
أنشودة العبادة الأوغاريتية..
أول أبجدية موسيقية في العالم

التدوين الموسيقي عرفه الكنعانيون في أوغاريت قبل الإغريق بـ 1000 عام
لقى أثرية في كل من (قرية الفاو) بالسعودية و(لاغاش، أكاد) بالعراق و(تل الحريري، أوغاريت) في سورية، تشير إلى استعمال الأدوات الموسيقية
الكنعانيون قدموا للبشرية أول أبجدية هجائية، وأول أبجدية موسيقية في العالم
السلم الموسيقي هو الأساس الذي يبنى عليه اللحن
وتقوم على صحة تركيبه موسيقى الأمة
ظلت الأديان والمعتقدات ردحاً طويلاً من الزمن متخذة من الموسيقى والألحان وسيلة متممة لرسالة المعابد والهياكل وأداة لبعث النشوة الروحية في المتعبدين

 تحقيق :المهندس عـماد سـعد
إعلامي وباحث في مجالي البيئة والتراث - لاذقاني مقيم بابوظبي
Emadsaad_26@yahoo.com 

ugarit3_858915873.jpg

إن أول لغة نطق بها الإنسان القديم هي اللغة التي قارب فيها حفيف أوراق الشجر وخرير المياه وزقزقة العصافير وتقليد لأصوات الحيوانات، إنها لغة الموسيقى والصوت الخارج من أعماق الإنسان عبر فضاء الأرض حيث تصل الموجات الصوتية إلى ما لا نهاية. تلك الأصوات ما لبثت أن تطورت لتصبح لغة إشارة وتفاهم بين أبناء الجنس البشري الواحد الذي خلقه الله تعالى وأعطاه ميزة العقل والتفكير والإبداع. ومع دخول الإنسان التاريخ (بداية عصر التدوين في الألف الثالث قبل الميلاد) بدأت تظهر إشارات مقطعية خاصة تدل كل واحدة منها على نطق معين لكلام الإنسان إلى أن اكتشف الحرف الأبجدي في منتصف الألف الثاني قبل الميلاد ومعه تطورت الكتابة إلى ما نحن عليه الآن.
أما اللغة الموسيقية فهي ما لبثت أن تبلورت صورتها بشكل غير منفصل عن الحرف المقروء. فكان لها محاولات عديدة في التدوين رافقت عصر الكتابة كما رافقت الحضارات المتعاقبة مثل الأكاديين والبابليين واليونان والرومان والآراميين والكنعانيين والفراعنة والعرب وغيرهم، إلى أن أخذت شكلها النهائي المعروف الآن والذي يكتب بطريقة السلم السباعي (الدياتوني).

ugarit1_108756558.jpg
الديـن والموسيقى:
لقد وَجَدَ الإنسان عبر العصور أن التعبير عن مواقفه اتجاه محيطه المجهول بلغة الواقع المعاش ومفردات التجارب اليومية، هو أمر على غاية من الصعوبة، فالتفت إلى أشكال التعبير الرمزي وأدواته من طقس وأسطورة وفن تشكيلي وموسيقى، وجميعها أشكال تعبيرية ولدتها التجربة الدينية، والمواجهة مع المجهول الأعظم داخل النفس الإنسانية وفي الآفاق. من هذه الأشكال التعبيرية الرمزية، تبدو الموسيقى الأقرب إلى الدين والأكثر شبهاً به، حتى لكأن الحس الديني والموسيقى ينشآن من مصدر واحد.. يتصل الدين بالموسيقى عبر التاريخ الحضاري للإنسان اتصالاً عضوياً وثيقاً، والى درجة لا يمكن التمييز بينهما أحياناً. فالأساطير الدينية لدى الشعوب لم تكن تدون كتابة لتقرأ، بل كانت تغنى وتنشد خلال القسم الأعظم من تاريخ البشرية والطقوس كانت تؤدى على الإيقاع الموسيقي لدى كل الثقافات العالمية تقريباً. لقد كان كهنة الهنود الحمر مغنين، وكهنة أفريقيا قارعي الطبول، وكان كهنة الديانات الشامانية حول الدائرة القطبية يستخدمون الموسيقى للاتصال بالروح الكبرى. وفي الثقافات العليا لعب الإنشاد والموسيقى دوراً أساسياً في بيوت العبادة، وهذا ما نراه اليوم في الكنائس المسيحية وفي المعابد البوذية والهندوسية. ومعابد الشنتو في اليابان. ولدى الصوفية من المسلمين، وعلى الرغم من أن عامة المسلمين لا يرون في تلاوة القرآن ضرباً من الموسيقى، إلا أن تجويد القرآن ضربٌ من الموسيقى، إلا أن تجويد القرآن الكريم يعتمد على المقامات الشرقية الموسيقية ذاتها، إضافة إلى بعض المقامات المركبة، وبعض المقرئين أدخل الإيقاع إلى قراءته دون استخدام الآلات. تنظر الحضارة الحديثة إلى الموسيقى باعتبارها فناً وعلماً، وقد تحولت لدينا من أسلوب تعبير جمعي يعبر عن جماليات ثقافة بأكملها، إلى أسلوب تعبير فردي عن المشاعر والأحاسيس. أما في الثقافات القديمة والثقافات البدائية المعاصرة، فإن الموسيقى هي من مصدر سماوي، وليس البشر إلا أداة تعبير عن ألحان تأتيهم من عالم الآلهة.

ففي ثقافة أميركيا الشمالية، إذا أراد أحد الكهنة ابتكار لحن جديد، خرج إلى البراري والغابات فصلى وصام وانتظر وحياً سماوياً يأتيه بموسيقى تتفجر في أعماقه. وفي استراليا ينتظر السكان الأصليون أن يوحي إليهم الأسلاف المؤلهون في الحلم بألحان تأتيهم من عالم الغيب. وفي الثقافات الشامانية إذا أراد الشامان صنع آلة موسيقية انفرد بنفسه في العراء، وراح يتصل بعالم الأرواح لتمد له يد العون على صنعها. وفي أفريقيا يعتقدون أن الآلهة والأرواح هي التي تمدهم بالأفكار الموسيقية التي يعملون على تطويرها. في الحضارة المصرية القديمة يعزى ابتكار الموسيقى للإله أوزيريس، وفي بلاد الرافدين إلى الإله تموز الذي ابتكر أول آلة موسيقية هي المزمار، وفي بلاد اليونان إلى أورفيوس الذي كان يتحكم بالحيوانات ومظاهر الطبيعية بواسطة نايه السحري. وفي الثقافة المسيحية يرى آباء الكنيسة أن الموسيقى في العالم الدنيوي هي انعكاس للتوافق الهارموني الكوني وللموسيقى الخفية الماورائية. وقد ظهرت الموسيقى قبل ظهور العالم عندما خلق الله الملائكة الذين راحوا لفورهم يسبحون وينشدون التراتيل والصلوات بأعذب الألحان. وترى البوذية إلى الموسيقى على أنها مؤلفة من جسد وروح؛ فأما الجسد فهو الأصوات والتراكيب الموسيقية التي تنتجها الآلات، وأما الروح فهي ذلك الشيء الخفي المجهول الذي يأتي من عالم الغيب. من هنا كان كهنة البوذية يتلقون روح موسيقاهم في أحلامهم أو في غوصات التأمل الباطني التي تصلهم بالمبدأ الكلي الأعظم، ثم ينقلونها إلى حالة الوعي ويجسدونها في قوالب صوتية. وفي الثقافة الهندوسية تمثل الموسيقى ما يدعوه الهندوس بقوة الكون، لأن الإله "شيفا" قد خلق العالم من خلال رقصة دينية أداها على قرع الطبل، وعندما يشيخ العالم ويأتي إلى نهايته، فإن الإله "شيفا" يقف في مركز الكون ليؤدى مرة أخرى رقصته على أنغام الطبل ليدمر العالم ويعيده إلى مياه الأبدية.

ugarit2_256734979.jpg

وفي التراث الإسلامي، يرى إخوان الصفا في رسالتهم عن الموسيقى، أن لحركة الأفلاك في العالم العلوي موسيقى عذبة ناجحة عن دورانها المتسق المتناغم، وأن الحكماء القدماء قد سمعوا بصفاء جوهر نفوسهم تلك الموسيقى واقتفوا أثرها في تأليف موسيقاهم. وكان غرض الحكماء من استعمالهم الألحان في الهياكل وبيوت العبادة، وخاصة الإلحان المحزنة المرققة للقلوب، هو تذكير الأرواح اللاهية الساهية عن عالمها الروحاني وتخليصها من اسر عالم الطبيعة. وفي معرض حديثه عن السماع، يصف الشيخ الأكبر محي الدين بن عربي سماع الموسيقى؛ في الحالة الأعلى والأنقى للتجربة الصوفية، بأنه سماع الأذن لأصوات الخليقة وهي تسبح بحمد الله. أما جلال الدين الرومي الذي يطابق بين الموسيقى والتجربة الصوفية فيقول:« هنالك طرق عدة تقود إلى الله، ولقد اخترت من بينها الرقص والموسيقى». وفي ديوانه المثنوي يرى في صوت أنين الناي شوقاً إلى الغاب الذي اقتطعت منه قصبة الناي، ويشبهه بأنين الروح الإنسانية التي تحن دوماً إلى أصلها في العالم الروحاني الأعلى، فيقول:« استمع للناي يروي حكايته ويشكو ألم الفراق قائلاً: إني منذ اقتطعت من منبت الغاب، أشكو من صدر مزقه الفراق أشكو من حرقة الأشواق، فكل من فارق أصله يبقى منتظراً وقت وصله. إن صوت الناي نار لا هواء ،فلا كان من لم يضطرم بهذه النار. مما لاشك فيه أن الأشكال التعبيرية الرمزية الأخرى عن التجربة الدينية، مثل الفن التشكيلي والأسطورة والطقس، تلعب دوراً مهماً في عملية الإسقاط الموضوعي للتجربة الدينية؛ ولكن بينما يتعثر الفن التشكيلي بالإشكال التي يستمدها من الوسط الطبيعي والمثقلة بمدلولاتها المباشرة، وتتعثر الأسطورة بالكلمات والتعابير المعدة أصلاً للتعامل مع الحياة اليومية، ويتعثر الطقس بالحركات، فإن روح الموسيقى تتجاوز كل عثرات العالم المادي لتبدو أشبه بتيار طاقيّ قادر على التعبيري بحرية تكاد أن تكون مطلقة

فيما يرى الباحث الموسيقي "نوري اسكندر" أن قدماء السوريين قد أولوا اهتماماً كبيراً بالموسيقى، فقد كانت تخدمهم في عباداتهم الدينية وطقوسهم في الميثولوجيا والأساطير وصراع الآلهة والبشر.. في كل هذه الأمور كانت الموسيقى تلعب دوراً هاماً جداً في التعبير والرقيمات الطينية المكتشفة في المراحل المختلفة تدل على ذلك بشكل واضح. ‏
أما في المسيحية، فقد خف الاهتمام بالموسيقى قليلاً وبقيت ضمن جدران الكنيسة ألحان تخلق الأجواء الروحية التي تساعد المؤمنين في العبادة وشُكلت كما أُلِـفَتْ ألحان كثيرة ضمن الطقوس.. أما في الإسلام فكانت الموسيقى تعاني حظاً أقل من السابق نظراً لبعض الآراء للأئمة المتعاقبة التي حرّمت الموسيقى فيما نجد بعض الآراء الأخرى قد سمحت، ولكن الموسيقى بقيت أيضاً في الإسلام حاملاً للمعاني المقدسة ضمن التراتيل وضمن الآيات القرآنية من خلال التجويد القرآني. ‏
ويؤكد الباحث اسكندر أن الموسيقى السريانية (ومن ضمنها التراتيل الكنسية)، تعتبر مرجعية هامة للموسيقى السورية ذات الشخصية المتميزة وهي تتألف من قسم من الألحان القديمة التي كانت تغنى في المعابد قبل المسيحية والقسم الآخر هو من الألحان الشعبية، وقسم من تأليف وإبداع أناس آخرين يحبون الموسيقى منهم الفخارون الذين لعبوا منذ القديم دوراً متميزاً في الموسيقى.. إضافة إلى ذلك هناك تأثيرات أخرى للألحان اليونانية حيث تتجاوز خمسين لحناً جاءت من جزيرة قبرص وكريت في القرن السابع والثامن وقام بترجمتها يوحنا الدمشقي ثم ترجمت إلى السريانية وتم غناؤها.

مجموعة التراتيل هذه، ورغم اسمها الديني، هي ألحان شعبية تعود إلى ما قبل المسيحية حيث يمكننا القول إنها تشكل مرجعية الموسيقى السورية. وهناك مرجعية أخرى هي الموسيقى الفلكلورية للموسيقى الدينية الإسلامية والموسيقى البيزنطية.. كلها تشكل جذور الموسيقى السورية ذات الشخصية الخاصة كما أسلفنا. ‏
الموسيقى السريانية منتشرة في كافة الكنائس السريانية في بلاد الشام، لكن الوجه الآخر لهذه الألحان هو الألحان العربية من قدود وموشحات، فالقدود وحسب دراساتي المقارنة مع الموسيقى الإسلامية والشعبية في سورية، وجدت كثيراً من الألحان المشتركة بين التراتيل السريانية والألحان الشعبية وبين القدود والموشحات وقد قدمت نماذج من هذا النوع العربي والسرياني وكل إنسان يستمع إلى المجموعات الدينية الإسلامية في سورية والموشحات والقدود يشعر أنها تنتمي إلى جذور سورية قديمة ومنها السريانية. ‏

وأخيراً وليس آخراً فقد أظهرت التحريات والتنقيبات الأثرية في كل من شبه الجزيرة العربية (قرية الفاو) وفي بلاد ما بين النهرين (أكاد ولاغاش ونينوى) وفي بلاد الشام (أوغاريت وماري) أن الموسيقى قد عاصرت الدين، حيث اكتشفت العديدة من اللقى الأثرية في كل من قرية الفاو بالمملكة العربية السعودية ولاغاش وأكاد بالعراق وتل الحريري ورأس الشمرة (أوغاريت) في سورية تشير إلى استعمال الأدوات الموسيقية في المعابد والحياة العامة إضافة إلى أن تعلم الموسيقى كان من الضروريات الأساسية لاستكمال الثقافة العالمية.
ففي رسالة بعثها الملك البابلي شمشي حدد ( 1813 – 1781 ق.م.) إلى ابنه يقترح عليه إرسال بنات (ياهدون – ليم) إلى القصر الملكي في مملكة شباط أنليل (تل ليلان) على الفرات في الجزيرة السورية كي يتعلمن الغناء والموسيقى.

يتبع حلقتان

المهندس عماد سعد

LattakiaNews

أضف إلى: Add to your del.icio.us del.icio.us | Digg this story Digg

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • email أرسل إلى صديق
  • print نسخة للطباعة
  • Plain text نسخة نصية كاملة
قيم هذا المقال
3.50
All rights reserved Lattakianews.com 2008 - 2009

Design and development by Al-walid.net