فـي ذكــرى رحيل سهيل خليل - غازي أبو عقل
أنسيت متى رحل سهيل خليل عن دنيانا فلم أعرِ الأمر أهمية . كأنما لا يجوز تذكر الراحلين إلا في أوقات محددة سلفاً . من هذا " المنطلق " أكتب عنه الآن التقينا في مقاهي " لاليش " بعد أن جلونا عن دمشق لأسباب موضوعية فرضتها الأيام . واكتشفُت - من ناحيتي على الأقل - وجود نقاط اختلاف بيننا بمقدار ما فينا من نقاط تشابه والتقاء . وهكذا كنا " ننسجم " عندما نلتقي , أمام دهشة كثيرين من معارفنا الذين انشغل بعضهم في اكتشاف " اللغز " بلا طائل .
اكتشفت في " سهيل" صحافياً من طراز خاص . نسيج وحده كما يُقال . وكما يفعل تدهور البيئة اليوم بكوكبنا الأرضي , بما يتركه حول هذا الكوكب المنكوب " بالإنسان " من آثار ضارة , تركت بيئة " الإعلام " آثارها عليه . ولما كانت غريزة البقاء تجبر الكائنات على التأقلم بطريقة أو بأخرى , وجد سهيل نفسه في هذه الدوامة يحاول ألا يغرق . كان لابد له من أن يغرق لأن تكوينه البيولوجي , على ما أظن . لم ينتسب إلى فئة الفلّين مما يعوم في أي ماء كان بخاصة في الماء العكر . أما المكون من مواد مختلفة ولو جزئياً , فإن مآله الغرق . بمعنى أن مكانه في وسائل الإعلام يبقى مهمشاً .
أنا لا أزعم أنه لم يجرب الغرق عامداً , بل ظن أن " نوع تركيبته " ما كانت تتيح له ركوب ذروة الموجة . فهو صاحب نظرة غير وقور إلى الأمور , في بيئة يهيمن الوقار فيها حتى على كتبة أبناء حوادث المرور والمهرجانات " الثقافية " ناهيك عن محرري صفحة الجرائم المرتكبة اسم حماية الشرف من الأذى .
رأيي أن زميلي الراحل كان ينتمي إلى مدرسة الفكر النقاد , وهي السمة الأساس في " المثقف " كما ينبغي له أن يكون , لا كما هو كائن في عصر الواقع الافتراضي , والفكر النقّاد بعامة قوة نابذة ومنبوذة في آن . والمضحك المبكي في حال سهيل خليل أنه كان يدرك تماماً ضرورة وقوفه في حال توازن قلق على حدود تداخل قوتي النبذ , ولكي يتحمل هذا القلق كان يستعين بالنبيذ الأبيض , أسوة بغيره ممن ابتلوا يالميل إلى الفكر النقاد . أعد من هؤلاء أربعة : علموني " شخصياً لا في المدرسة فحسب , بل في الإعلام " أيضاً , أيام كنت مضطراً أن أمارسه بوقار مثل غيري , رغم كوني أفضل اللاوقار .
أذكر دائماً جلساتنا غير المرتبة سلفاً عندما يطلق العنان لخواطره , ويرى إلى الأشياء بتلك العين التي تلتقط ما يتعمد أصحاب العيون المفتوحة تجاهل رؤيته , فإذا بنا ننفجر ضاحكين حتى حدود انهمار الدمع .
سهيل خليل إعلامي متميز في بيئة غير مرحبة . متميز بصرف النظر عمّا يمكننا تحميله له من "معائب " يكفيه نبلاً أنها يمكن عدُّها ...
عن "الوحدة" اللاذقيّة
فريق المتابعة
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك