تخطيط المصاحف الإسلامية فن عريق ساهم فيه خطاطون سوريون
تزخر متاحف العالم اليوم بروائع من المصاحف التي تنبئ عن رحلة طويلة يحكي فيها الحرف عن اسراره ويفصح مكنونات تطوره عبر الزمن.
وكتبت المصاحف في العهد الأول من الأسلام بخط مكي مدني واضح بين محكم رصين ليس فيه تشكيل ولا تنقيط بمداد اسود على رق جلد وبمقاس كبير شبه مربع وباملاء ورسم عرف فيما بعد بالرسم العثماني نسبة للخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي امر بكتابته بذات الصورة التي كتبت ايام النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي مطلع القرن السادس إلى التاسع الهجري بدأت كتابة المصاحف بخط الثلث والريحاني ولما ظهر خط النسخ صار الناس يكتبون به إلى عصرنا الحاضر.
اما كتابة المصاحف بأنواع الخطوط الاخرى فغير مستحسن لان خط الرقعة والديواني والفارسي وخط السياقة التركي وخط الشاكستة الحواشي لا تعتمد التشكيل بينما يجب تشكيل المصاحف صيانة للقارىء من اللحن.
ويقول الباحث في شؤون الخط العربي احمد المفتي ان الخط العربي ارتبط بالاسلام ونشأ تطور في رحاب القران الكريم وان المسلمين ارتفعوا بكتابة المصاحف إلى اعلى مراتب الجمال.
ولقد كانت بداية رحلة كتابة المصحف الشريف في الكوفة وكل ما كتب من مصاحف في القرون الثلاثة الاولى للهجرية كتب بالخط الكوفي ومن ثم تعددت انواع الخط الكوفي مع اتساع رقعة الاسلام بين خط نشأ في الشام والحجاز والعراق وخط تطور في مدينة هرات في ايران وانتقل بعدها إلى بلاد الهند والسند والافغان والصين وخط ترعرع في القيروان في المغرب العربي وهاجر إلى بلاد الاندلس وافريقيا وكل واحد منها يحمل صفات وخصائص جمالية يختلف فيها عن الاخر.
وللخطوط الكوفية انماط عرفت بالتئم والمثلث والمدور وهي من خطوط المدينة المنورة اضافة إلى المشق والتجاويد والمحكم والمحقق والمائل والجلي وهي من نتاج بلاد الشام والعراق.
لقد كان مصحف عثمان ونسخه الموزعة على الامصار قدوة لرسم المصاحف اذ كتبت هذه المصاحف بالخط الكوفي البدائي لا اثر فيه للصفة والتذهيب والتحلية وبلا نقط واستعمل الحبر الاسود في كتابتها ثم بدىء باستخدام اعجام الكلمات بالالوان المختلفة كالاحمر والاصفر والاخضر وفي العصر العباسي بدأت الزخرفة الجمالية تظهر في المصاحف فأدخلت التحلية على المصاحف بتذهيب الفواصل واسماء السور والصفحات الاولى والاخيرة وظهرت الزخارف على هامش المصاحف.
وكانت عناية المماليك بالمصاحف كاعتناء اسلافهم العباسيين والفاطميين والسلاجقة فامتازت المصاحف المملوكية بجمالها وضخامتها وكتابتها بأنواع الخطوط كالثلث والريحاني والنسخ وهو الخط الذي سرعان ما ظهر جماله في كتابة المصاحف فاعتنى به العثمانيون وابدعوا في كتابته.
وقد كانت مصاحف ياقوت المستعصي وعبد الله الصيرفي وابن الصايغ ومصاحف السلطان برتوق وابنه فرج ومصحف السلطان شعبان ووالدته اية من ايات الابداع والفن.
وتفنن الفنان المسلم بكتابة المصاحف بأشكال مختلفة واحجام كبيرة وصغيرة فهناك المصاحف التي كتبت بأحجام صغيرة لا تتعدى السانتيمترات والمثمنات كمصاحف السناجق التي تعلق على الاعلام في الحروب والمصاحف التي كتبت على صفحة واحدة او في ثلاثين ورقة او على اوراق طوال محفوظة في علب من الفضة ومصاحف كبيرة 140 سم طول و70 سم عرض ووزن 154 كغ على الرقوق كما في المصحف الهندي الذي اهدي لمكتبة المدينة المنورة.
واحدث الوزير العباسي ابو علي محمد بن تقلة العالم بالهندسة والخط تطورا عظيما في الخط العربي وارتقائه حيث اوجد خط الثلث وطوره وابداع في كتابة المصاحف تلاه في الابداع تلميذه ابو الحسن علي بن هلال الملقب بابن البواب الذي وضع موازين الخطوط وكتب بيده مصحفا حفظ لنا الزمان نسخة واحدة منها في مكتبة شستربيني في جمهورية ايرلندا وصور من هذا المصحف نسخ محدودة احتفالا بعام الكتاب العالمي.
وقد تتلمذت الخطاطة الشهيرة شهده الابرية على مدرسته كما تتلمذ على طريقته اليواقيت الثلاثة واقمار الخط في القرن السابع الهجري الرومي والحموي والمستعصمي الذي بلغ خطه الروعة والجمال حدا صار مضرب الامثال.
وانتشرت في متاحف العالم مصاحف اقم وكوتاهي وراسم وحدتي وغيرهم من خطاطي الاتراك العثمانيين اما في مصر فكان المصحف المطبوع باسم الملك فؤاد والذي كتبه شيخ القراء محمد الحسيني من اضبط مصاحف هذا العصر دقة ورسما من قبل علماء الازهر.
وكان لخطاطي دمشق مساهماتهم في هذا الموضوع وبدأ ذلك مع اطلالة القرن السادس البحري حيث ظهر خط النسخ الدمشقي وبدء يتطور على ايدي هؤلاء الخطاطين وينتشر في اصقاع الارض متميزا بجماله وجلاله وبهائه وهيبته وتجددت مدرسة الخط النسخي القراني الدمشقي في العصر الحالي على يد الخطاطين السوريين ومنهم الخطاط الكبير عثمان طه الذي اصبح نموذجا في نسخ المصاحف في جميع انحاء العالم الاسلامي بعد ان انتشرت قواعده من خلال مصحف المدينة المنورة الذي خطه وانتشر في جميع المدن والامصار.
ولم يكتف الخطاطون في اظهار ابداعهم بالخط النسخي بل ايضا في انواع الخطوط الاخرى مثل خط النستعليق والثلث واشتهر كل من الخطاط احمد الباري الذي لون بشتى ضروب خطه جملة من المصاحف كما اشتهر الخطاط محمود الهواري فخط مصحفا بالثلث واشرف على طباعة مصحف بالخط الكوفي وذيل كلماته بخط النسخ وقام الخطاط جمال بوستان بكتابة مصحف لدولة الامارات والخطاط علي طه والخطاط عدنان الشقنقي بكتابة مصحف لكل منهما للجمهورية الاسلامية الايرانية والخطاط شكري خارشو بكتابة مصحف للمغرب الغربي.
ومن الخطاطين السوريين احمد الباري واحمد المفتي ومحمد الهواري ومحمد سالم نويلاتي ومحمد القاضي وعبيدة النبكي وعبد العزيز حبيب ومحمد فاروق الحداد وعدنان الشيخ عثمان ومحمد قنوع ومحمد غنوم ووليد محي الدين وغيرهم.
سانا
فريق المتابعة
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك