لقاء مع النحات محمد بعجانو
أجرته الدكتورة رفيف هلال
فنان من مواليد اللاذقية ، تخرج من كلية الفنون الجميلة بدمشق عام واحد وثمانين وتسعمئة وألف ، استطاع أن يحقق حضوره من خلال اشتراكه فيما تعدد من المعارض الفردية والجماعية في سورية وعدد من البلدان مثل لبنان والبحرين وإسبانيا وموسكو وباريس. إنه الأستاذ محمد بعجانو الذي زرتُه في منحَته وكان لي معه هذا اللقاء الذي وجدتُ من خلاله أن فن هذا الإنسان لم يكن متحدداً في منحوتاته فقط ، إنما كذلك في أفكاره التي تشكل كل واحدة منها ملمحاً فنياً جديراً بالاهتمام والتأمل :

1ـ هل لك أن تحدثنا عن المواد والأدوات التي تستخدمها في النحت ؟
في البداية كنتُ أنحتُ على الخشب بسبب توافره على نحو واسع ، ثم أخذتُ إلى جانب هذه المادة أنحتُ على الحجر ، فكانت محاولتي الأولى عندما قمتُ أنا وأحد زملائي بتقديم أعمال حجرية يدوية ونحن في السنة الخامسة في كلية الفنون الجميلة . هذا بالإضافة إلى أنني نحتُّ على الطين أيضاً ، لكن لم أستمر في استخدامه نظراً لأن الفرن الخاص به يتطلب طاقة كهربائية عالية الكلفة . أما بالنسبة إلى الأدوات التي أنحتُ بها ، فهي كانت مقتصرة فقط على ما هو يدوي كالمطرقة والإزميل والسكين ، لكن منذ عدة سنوات أصبحتُ أستخدم إلى جانب هذه التقليدية بعض الأدوات الكهربائية الحديثة ، هذا وإن كنتُ أفضل شخصياً العمل بالأدوات التقليدية على الكهربائية نظراً لأن هذه الأخيرة يمكن أن تسبب خطراً على من يستخدمها . كما يمكن أن تُحدث تلوثاً بيئياً بسبب قابليتها لنشر الغبار بصورة كبيرة إضافة إلى أنها ليس بمقدورها أن تحقق التفاعل الذي تحققه الأدوات التقليدية ما بين النحات والمتلقي .
2ـ هل تشعر بأن هناك علاقة متميزة ما بينك وبين أعمالك المنحوتة ؟
إنني عندما أبدأ بنحت أية كتلة سواء أكانت خشبية أم حجرية ، أشعر بأنه قد تشكّلتْ ما بيني وبينها صلة روحية متميزة ، أو بالأحرى صداقة راقية حقيقية خالية من أية شائبة . وعلى هذا الأساس أتخيل أن هذه الصديقة هي التي تملي علي أن أنزع عنها كل ما تريد التخلص منه ، وأن أضيف إليها كل ما تستسيغه .
3 ـ أي أعمالك كان إنجازه الأكثر صعوبة ؟
صحيح أن هناك أعمالاً لابد من أن تتطلب جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً ، إلا أن أكثرها مشقة هو حين قمتُ في أحد الملتقيات بمدينة قرطبة بنحت كتلة حجرية يبلغ ارتفاعها ثلاثة أمتار وثمانين سنتيمتراً ، ففي هذا العمل كان مفروضاً علينا أن نستخدم الأدوات اليدوية فقط المتحددة في الأزاميل والمطارق بسبب تواجدنا في مكان خالٍ من الكهرباء . وعلى هذا أصبح وقت إزالة جزء معين يمكن أن يتطلب مني يوماً كاملاً بدلاً من نصف ساعة بواسطة الأدوات الكهربائية . ومع ذلك فعلى الرغم من هذه المشقات استطعتُ أن أكمل منحوتتي التي كانت تجسد ثوراً محاطاً بمجموعة من الطيور .

4 ـ ماذا تحدثنا عن منحوتك الذي أردت أن تمثل من خلاله انفجاراً نووياً ؟
في الثمانينات قمتُ بإهداء اليابانيين عملين منحوتين : أحدهما يدعى "هيروشيما " والآخر " ناغازاكي " وكان كل من هذين العملين يجسد انفجار قنبلة نووية ، إلا أن انعكاس هذا الانفجار جعلتُه يمتلك دوراً إيجابياً قادراً على بث الحياة والإعمار بدلاً من الموت والدمار ، وقد بدا ذلك واضحاً حين جسدتُ انتشار الناس والطيور والأبنية ، فهذه فكرة كانت تراودني دائماً إذ كثيراً ما كنتُ أتساءل لماذا لا يُتعب العلماء أنفسهم باختراع قنبلة مليئة بطاقة من المحبة والحياة قادرة على أن تبني بدلاً من أن تدمر .
5 ـ ماذا تحدثنا عن عملك المتمثل في نحت تمثال للسيدة العذراء ؟
في العام الماضي عندما كنتُ في أحد الملتقيات بمشتى الحلو طُلِب مني أن أنحت تمثالاً للسيدة العذراء ، وقد خُصِّص لهذا الأمر كتلة حجرية ضخمة من الرخام الإيطالي يبلغ طولها حوالي مئتين وثمانين سنتيمتراً وعرضها مئة وخمسين سنتيمتراً ، وقد استطعتُ أن أكمل هذا التمثال خلال خمسة عشر يوماً تقريباً ، وهو الآن متواجد على بعد عدة أمتار من كنيسة مشتى الحلو .
6 ـ ماذا كانت منحوتتك الأولى ؟
في طفولتي كنتُ ألعب بالطين ، وأصنع منه أشكالاً متعددة ، إلا أن ما أذكره تماماً هو قيامي حين كنتُ في الثالث الابتدائي بصنع باخرة وطائرة وبيت من الطين المضغوط من أجل أن أقدمها هدية للمدرسة ، ومن الجدير ذكره أن المدير أُعجِب بأعمالي هذه إعجاباً شديداً ، وكان ينظر إليها بإمعان وتأمل .
7 ـ ماذا يمكن أن تحدثنا عن النحاتين القدماء ؟
لقد حقق القدماء كاليونانيين والرومان وغيرهم تقدماً ملحوظاً في مجال النحت على الرغم من اعتمادهم على الأدوات اليدوية البسيطة ، لكن من المدهش هو أنه لم يتم العثور حتى الآن في أي متحف على أي أداة من الأدوات التي كان يستخدمها هؤلاء النحاتون . أما أهم ما أريد أن أذكره ضمن هذا المجال ، فهو الملك اليوناني " بركليس " الذي انقلب عليه المتدينون بعد عدة سنوات من حكمه بسبب اهتمامه الكبير بالنحاتين ، إذ سخر أموال المعابد لهم فقط من أجل أن يبدعوا ، فاستطاعوا أن ينتجوا أعمالاً رائعة لم يكن لها نظير في تاريخ العالم ، وأصبح كل ما جاء بعدها يعد تقليداً وتكراراً لها .
8 ـ هل هناك من كلمة أخيرة تريد أن تقولها في نهاية هذا الحوار ؟
إنني أتقدم إلى الجهات المعنية لأطلب منها أن تخصص مدينة من سورية في كل عام من أجل إقامة ملتقىً نحتي فيها سواء أكان محلياً أم عالمياً ، وذلك لأن هذا الفن جدير بالاهتمام وبأن يلقى كثيراً من العناية والدعم .
الدكتورة رفيف هلال
LattakiaNews


del.icio.us
Digg
التعليقات (9 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك