اللاذقية الإخبارية ::: أخبار اللاذقية لحظة بلحظة Lattakia News: شمس ( رجل معلَّب ) شمس ( رجل معلَّب ) ================================================================================ لانا صفية on 19 April, 2009 10:54:00 على مقاعد الدراسة الخشبية التي كانت تئز من آلامها الظهرية بعد سنين طوال من حمل تلك الطاقة الهائلة التي تكتنز في أجسادهم وأرواحهم ... جلس الأصدقاء الأربعة ثائر و سعيد و نجيب ورضوان تجمعهم زاوية صغيرة يحدقون منها إلى المدى البعيد حيث تقطن أحلامهم القادمة ... سؤال واحد شغلهم ... كيف ترى مستقبلك ؟ ثائر : ( بصوته المرتفع الخطابي ) سأغدو قائداً عسكرياً مرموقاً لأعلم الأوغاد الذين يذلون أرضنا كيف تكون الرجولة .. سعيد : ( ينطلق صوته من أوتار حنجرته أغنية دافئة ) أنا وأعوذ بالله من كلمة أنا سأكون وريث نزار قباني بل سيتمنى نزار لو يبعث من جديد ليمزق قصائده ويكتب أسطورة الحب والشعر التي سأعيشها .. نجيب : ( بنبرة جدية مقتضبة ) العلم ثم العلم يا أصدقائي سيشهد العالم كله على عبقريتي حين أنال جائزة نوبل في الفيزياء رضوان : ( مفتتحاً خطبة الجمعة التي يلقيها في كل أيام الأسبوع ) هل نسيتم دين الله يا أخواني .. هل ستتركون الكفرة يعيثون فيه فساداً .. أدعو الله أن يعينني لأقيم حدوده وأنصر دينه ( أحلامٌ كبيرة من صبيةٍ صغار ..... لا تضحكوا كثيراً فما زال الأصدقاء في الثانية عشر من عمرهم ) خرجوا من أبواب المدرسة راكضين غير مكترثين بمصنع الحياة المعلبة الذي يترقبهم ليصطادهم مواداً أولية طازجة .. وبعد أن تعبت أقدامهم من الركض استقلوا حافلة تحملهم إلى الجامعة غير مكترثين بإشارات المرور الكثيرة التي توقف تقدمهم للحظات ... وصلوا .... تناثروا .... تعرف كلٌ منهم إلى عالمه الجديد ... عادوا.... تجمعوا.... التقوا في أحد المقاهي ... ليشغلهم السؤال نفسه ... كيف ترى مستقبلك ؟ ثائر : ( يضرب الطاولة بقبضته القوية فترتعد خوفاً وألماً ) قبل أن نرى مستقبلنا دعونا ننقذ واقعنا الذي بات حديث نشرات الأخبار ... بيوت تهدم .. أبرياء يقتلون .. شبان تداس رقابهم أمام العالم بأسره ... أين النخوة ؟ أين الرجال ؟ لماذا نربي زنوداً قوياً ؟ ... أصدقائي أنا أشعر بالخزي كلما جلست أمام التلفاز ... والمؤسف أكثر أننا البارحة خرجنا في مظاهرة ( يقولون إنها أضعف الإيمان ) وبعد أن وصلنا لإحدى الساحات استقبلتنا الأغاني الوطنية التي تهلل لنصرنا الذي أكل الدهر عليه وشرب وإذا بالشباب الأبي يسارع لتشكيل حلقة( دبكة ) ثورية فتتفجر مواهب الرقص الموقوتة مؤكدة على تمسكنا بتراثنا العربي ..... يا لنصرنا ! أصدقائي أدرك تماماً أنني عاجز اليوم لكنني لن أبيع القضية فأنا قررت أن ألتحق بالجيش وسأبقى في خدمة العلم ما حييت ... فأنا نذرت نفسي لأجل الوطن سعيد : ( بعد أن سرق قصيدة جديدة من عينيها الساحرتين تلك التي تفتحت كوردة في الحديقة المجاورة كما وصفها ) .. الحق الخير الجمال هذه هي القيم التي علينا أن نحفظها كي يسلم العالم بأسره من الجاهلية التي يعيشها ... أي جيش وأية معركة تريد يا ثائر فالسياسة لا يحكمها رجال عظماء بل تحكمها لغة المادة وفقط... لغة المصالح ... لغة الدماء التي تباع بالأسواق العالمية ... بالنسبة لي أرى الجيش مقبرة لإبداعي لذلك لن ألتحق به أبداً بل سأفعل كما يفعل الجميع ( خمس سنوات بالخليج وبدفع البدل وبرجع ) أما عن مستقبلي فأنظروا إليها .. سترسم قدري بيديها المبدعتين .. سأخط لأجلها ولأجل هذه الأرض الخضراء أدباً وشعراً يحملني بعيداً إلى هذي السماء .. نجيب : ( يعد أن تفقد ساعته للمرة العاشرة خوفاً من أن يدركه وقت محاضرته التالية ) أصدقائي متى ستكفون عن الحلم وتدركون أن الدنيا مبنية على أسس علمية ثابتة ... أتعرفون أن الفيزياء الحديثة تقول أن العالم بأسره تحكمه قوانين فيزيائية طبيعية من ملكها سيطر على كل وقائعها حتى البشر نستطيع أن نسيطر عليهم بقوانين التجاذب ومفاهيم الطاقة ... لكن للأسف ما زلنا ندرس الفيزياء التي غدت إرثاً علمياً لا أكثر ... لذلك أرى مستقبلي هناك بعيداً عن عالمنا العربي وهذا ما أحاول تحقيقه بتفوقي فأنا أحلم أن أرسل بعثة إلى إحدى الدول الأوروبية علّي أحقق ذاتي هناك .. رضوان : ( يستغفر الله لصديقه سعيد الذي يأبى أن يغض بصره عن تلك الفتاة ) يا نجيب لا أحد يملك السيطرة على هذا العالم إلا خالقه ولا أحد يسيطر على نفوس البشر إلا من جبلهم .. لا تبني علمك على أفكار أعداء الله بل اجعل علمك عبادة وطاعة ... أنا لن أغادر هذا البلد إلا حاجاً لبيت الله ولن أقرب الفتيات إلا بحلال الله ولن أدخل الجيش لأصبح قائداً بل شهيداً بإذن الله .. ( رواسب أحلامهم الكبيرة لا زال صداها في أعماق شبابهم .... لا تبتسموا إنهم في العشرين من العمر ...فقط! ) ( تعي نقعد عالفي ... مش لحدا هالفي ...) يسرح سعيد بتلك اللحظات التي جمعته مع فاتنته وملهمته يستمعان فيها إلى أنغام هذه الأغنية التي أختارها نغمة لهاتفه المحمول وبعد أن عاد من غفلته ردَّ على هاتفه ليأتيه صوت ثائر هائجاً غاضباً ويخبره أن نجيب لم يحصل على البعثة بل تصادف أن ابن فلان حصل عليها لأن مشروع تخرجه الذي يناسب بلدنا النامية أكثر كما زعم فلان حصل على درجة أعلى ... يسارع الأصدقاء ليقفوا بجانب صديقهم ... يبدأ رضوان قائلاً : محنة من الله يختبر صبرك بها .. لا تيأس فالله لن يظلمك .... يقاطعه ثائر : لكن الله أخبرنا أن الساكت عن الحق شيطان أخرس ..( ما بصير تسكت أبداً شو رأيك نروح نعملو قتلة نربي عيلتو فيها ..) سعيد : لا يا ثائر نحن نعيش بغابة نعم ... لكن علينا أن نترفع عن الهمجية التي تحكمها وإلا أصبحنا مثل ساكنيها ... عوضك على الله عليك أن تكمل في هذه البلد لتثبت نجاحك للجميع ... صمت يسود الأصدقاء يجمعه فكرة واحدة كيف سيحقق طموحاته وعائلته بسيطة تنتزع لقمة العيش من سقف راتب حكومي يكاد يلامس أرض المأساة اليومية ... كبف نساعده وكل منا غارق في حياته وهمومه ... يصلون إلى نتيجة موحدة هذا قدره ! ... أيام قليلة بعد التخرج ويذهب الأصدقاء لتوديع ثائر الذي قرر الذهاب لخدمة العلم ليحقق طموحاته العسكرية .. تودعه توصيات أصدقائه المشجعة وتستقبله توصيات الضباط المثبطة ... كان صباحاً يستيقظ على دعاء أمه الطيبة واليوم يستيقظ على صوت ينتهك عرض أمه وأخته جزافاً ( يقولون هكذا تكسر نفوس الذكور !) قديماً كان يكبر الله حين يرى شهيداً يسقط ليقبل أرض بلاده ... واليوم يدعو الله أن يلطف به ويحميه من الموت في مستنقع بارد كان قد ترك فيه أحدى العساكر طوال الليل ليخرجوه جثة هامدة ( يقولون هكذا تصنع الرجال ! ) في الماضي كان يشهد له سكان الحي بالرجولة والشهامة ... واليوم قوته وصلابته وعنفوانه لا يشترون ترقية ثمنها 5 صناديق تفاح وزجاجتين من الويسكي ... ( يقولون نفذ ثم اعترض .. لصالح الوطن ! ) فتح سعيد صندوق (ايميلاته) متلهف للمرة المئة علَّه حصل على فرصة عمل .. علَّ كفيله يمد له يده من خليج الأمل لينتشله من براثن الحياة المضنية بفراغها ... واليوم وصل الإنقاذ سيعمل محاسباً في إحدى الشركات العالمية وبراتب جيد ... وقبل أن تتسلل الفرحة إلى قلبه يسرع إلى هاتفه ليخبر محبوبته أنهما سينتقلان إلى مرحلة حاسمة ... سيسافر لأجل عينيها الحالمتين التي لطالما رأت طيف منزل صغير وأسرة سعيدة ! أمل .. تقاطعه بجنون غيرتها : من أمل؟! ... فيرتجل لها قصيدة كعادته .. اسمك اليوم أمل وغداً حبيبتي دونما وجل لأجل معبودتي سأشقى لأجل كفها الصغير في كفيَ يبقى .. يخرج رضوان من جيبه منديله الرطب ليمسح عرق خجله من تلك ( الآنسة ) التي تقدمت معه لنفس الوظيفة لكنه يلاحظ أنها تمتلك مؤهلات مغرية أكثر منه ... كيف لا والفتاة نسيت الكثير من لباسها خوفاً من أن يفوتها موعد المقابلة لكنه يتساءل كيف استطاعت أن ترسم لوحةً كهذه على وجهها دون أن تتأخر؟! .. نظرةً خاطفة جديدة وأفكار عبثية شيطانية تتسلل لمخيلته التي يكبح جماحها كلَّ يوم ... رضوان ذلك الذي يأبى الرذيلة يتساءل كيف لي أن أعمل هنا و حواء لم تترك مكاناً إلا واقتحمت حرمته الذكورية ؟ وبينما هو غارقٌ بأفكاره يأتي خبر قبول الفتاة معتذرين منه بلباقة ... أستاذ رضوان ليس لدينا شاغر لك ! ... يعود إلى منزله ململما ً ما بقي من كبريائه ... يخبر والدته أنه سيعمل في بيع الأقمشة مع والده .. تقاطعه والدته: وماذا عن شهادتك يا بني ... ها هي يا أمي تزين حائطك ! ... نجيب بات يدرس متثاقلاً عله يحصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء ( القديمة ) ... باتت الكتب مملة .. والدراسة مقيتة كيف لا وهو تجاوز السادسة والعشرين وما زال جيبه فارغاً من ثمن كمبيوتر محمول يستحقه أكثر من كل الشباب .. أما منزله الصغير الذي يضج بالأخوة فهل يتسع لعروسٍ تشاركه وحدته وألمه؟! ... وهل يوجد فتاة تقبل الزواج دون منزل يشعرها بالخصوصية ؟! هي تساؤلات يومية أصبحت تزاحم تساؤلاته العلمية التي كانت تتربع عرش رأسه واليوم يطردها واحدة تلو الأخرى بحثاً عن شهادة هدفها البعيد هو الحصول على وظيفة محترمة تعيله! اليوم عيد ميلاد ثائر ... ضحك سعيد الذي كان قد نسي هذا الفعل حين أخبره نجيب وبعد فراق طويل بينهم بأنهم مدعوون لحفلة في فيلا ثائر احتفالاً بهذه المناسبة ... واستطرد قائلاً ومنذ متى كان ثائر يحتفل بعيد ميلاده .. ومتى؟! الآن بعد أن بلغنا الخمسين ؟! يجيبه نجيب بتهكم واضح ... ( خلينا نروح نتفرج ) ... سعيد : وماذا عن رضوان .. سأجبره على المجيء على الرغم من أنه لن يقبل أن يأكل من مال ثائر الحرام كما قال .. في حديقة الفيلا اجتمع الأصدقاء متغامزين على غير عادتهم ... واستعادوا سؤالاً أصبح مرتبطاً بالذاكرة فحسب كيف ترى مستقبلك ؟ وماذا حققت منه ؟ ثائر : ( بعد أن نفخ دخان سيجاره بترفٍ حديث العهد ) بالنسبة للمستقبل أعتقد أأني حققت الكثير فغداً أولادي سيكون لديهم المال والجاه والسلطة ... أما أنا فسوف أرشح نفسي للانتخابات ( منشان مصالح الشعب ) .. يقاطعه رضوان : وماذا عن القضية ؟! ... ثائر : قضية ماذا ... إنها حماس شباب لا أكثر! سعيد : ( بذبولٍ يشبه ذبول دفاتر مذكراته وأشعاره القديمة ) المستقبل لم يبقى منه إلا السعي لتأمين معيشة عائلتي .... نجيب : أما زلت تكتب الشعر لعيني ملهمتك بعد زواجك منها .... يجيبه سعيد متأوهاً : ملهمتي ! يبدو لي يا صديقي أنها كانت وليدة مخيلتي ليس إلا ... ملهمتي باعت قصائدي لتشتري بها زوجاً ثرياً يرضي غرور أهلها الذين أبوا أن يزوجوها لذلك المغترب الذي لا يمتلك شقة كبيرة وسيارة فخمة ... أذكر أني كنت اسكنها قلبي وأنزهها في دواويني .. لكنها حطمت أبواب قلبي الموصدة أمامها لتخرج من زنزانة حريتها وتسكن في قصر عبوديتها ! وبعد أن لملمت أشلائي عدت إلى البلد لأتزوج من خطيبتي الجديدة التي اختارتها لي أمي ... والحمد لله أصبح لدي عائلة هي كل ما أملك ... أما أشعاري أعتقد أن الرطوبة التهمتها في( سقيفة) منزلي .. نجيب : ( يعصر أيامه ليستخرج منها حلماً واحداً لمستقبله ) إنني الآن أدرس في الجامعة .. أما عن عائلتي فما زال أولادي صغاراً ... فقد تزوجت متأخراً لذلك ما زال أمامي الكثير لأربيهم وأعلمهم .. يستفزه ثائر يقهقهته وسؤاله : وماذا عن جائزة نوبل ؟ ... فيضحك الأصدقاء طويلاً ويشاركهم نجيب الضحك مخفياً فشله الأليم .. رضوان : ( محاولاًً أن يخفي جهله الديني بسطحي الألفاظ والأدعية ... فالسعي للقمة العيش والكبت الذي ترعرع في جسده حتى الثلاثين من العمر لا يتفق والطريق المستقيم الذي حاول جاهداً أن يسلكه) أعمل لآخرتي يا أخواني ... أتقي الله في أسرتي ... وأربي أولادي على إعلاء دين الله ... بالنسبة لصبياني أعلمهم صنعة التجارة فالجامعة أصبحت مأوى للفسق والفساد ... أما ابنتي فسأزوجها لخطيب مسجد حيينا بعد أن نالت شهادة البكالوريا ... يكفيها هذا القدر من الدراسة فالأنثى خلقت لتكون زوجة صالحة وأماً فاضلة وسيجزيها الله خيراً ( أحلام صغيرة لرجال كبار .... لا تحزنوا فالرجال بلغوا الخمسين من العمر و توفيت أحلامهم رحمها الله ) قبل أن أغيب : ربما تتساءلون عن علاقة ما سبق بتحرير النساء؟! ... والجواب لأجل ذلك كله يشعر الرجال أن تحريرنا ترفٌ لا حاجة له في بلدنا ... فثائر خسر رجولته أمام نفسه فكيف يسمح لأنثى أن تلقنه درساً في الثورة والكبرياء وسعيد أدرك أن المرأة سلعة تشترى ليكمل بها الثلاثي الذي لا بد منه لأي ذكر (منزل – سيارة – زوجة) ونجيب ذلك الذي لم يستطع أن يحقق ذاته ... سيأبى حتماً أن تحقق أنثى نجاحاً أمامه ... أما رضوان ذلك الذي يعلم في سره أن صلابة ذكورته لم تحميه من المعاصي فكيف يقتنع أن الأنثى العاملة التي تخالط الرجال قادرة على الاحتفاظ بعفتها ! ... لانا صفية LattakiaNews