اللاذقية الإخبارية ::: أخبار اللاذقية لحظة بلحظة Lattakia News: شاي صيني شاي صيني ================================================================================ علي فؤاد عبد العال on 03 July, 2009 01:12:00 يدعوني إلى بيته ؟ لاضير في ذلك .. إنما يدعوني ويخبرني بأن صديقته تسكن عنده ..؟ شيء غريب ! كان معتاداً أن يخفي عني كل علاقاته المشبوهة . بالنسبة لي كانت كل علاقاته مشبوهة... وهو يعلم ذلك لذا كان دائماً يتحاشى الخوض في التكلم عن العلاقات الجدية التي يحاول منها المرء الوصول إلى الزواج... حالة الاستقرار الحلال ... لم نعد نلتقي كثيراً بعدما أتينا إلى هنا .. بلد الحرية والانفتاح . كنا نلتقي يومياً أو على الأقل سبعة أيام في الأسبوع عندما كنا في البلد لأنه في حينها لم يكن عنده علاقات مشبوهة ، ليس تديناً ولارهبانيةً ، فقط لأن التركيبة الاجتماعية في أحيائنا لم تكن لتسمح بتلك العلاقات ... فكل علاقة بين شاب وفتاة من غير دراية الأهل ، أهل الطرفين ، هي علاقة مشبوهة. حارتنا .. وكل الأزقة الضيقة المتشابكة كالشعب المرجانية التي تنصهر مع بعضها لتكوّن حيّنا.. لم تكن لتسمح لأحد بالتحرش أوملاطفة أو حتى إلقاء تحية مسروقة على فتاة أعجبته ، فكان من يهيم بإحداهن كان عليه على الأقل أن يرسل أخته ليبلغها إعجابه .. وهكذا تبدأ العلاقات . إرسال خبر .. فترة انتظار تطول وتقصر حسب جمال الفتاة أو صغر سنها أو كثرة مال أهلها .. تلقي موافقة .. زيارة عائلية .. خطوبة .. ثم المتابعة على هذا الطريق . هنا انفتحت الطرق ، واتسعت المساحات ، وانفصلت البيوت المتلاحمة ، وغاب كيوبيد .. الأخت الرسول .. وكذلك غاب الأخ الشرس الذي يلاحق أخته بنظره أو بنظر من يثق به من أصدقائه أينما حلت وارتحلت .. فكثرت عند ناصر مناطق الصيد .. وكثر الصيد وصارت كل علاقاته بالنسبة لي مشبوهة ... فلم نعد نلتقي . منذ حوالي الشهرين وهو يدعوني لزيارته في بيته الجديد . ليس مستغرباً أن يدعوني أو أن أدعوه مرة أو مرتين كل عام .. لكن الغريب في أنه يخبرني أن " تي تشينغ " تقيم عنده إقامة كاملة. كانت في الماضي تأتي فقط لتمضية إجازة نهاية الإسبوع .. أما الآن فهي مقيمة دائمة. معلومات أخبرني بها أحدهم ومنه عرفت اسمها وعرفت أيضاً بأنه أراد دعوتي يوم انتقالها للعيش عنده . لامعلومات أخرى عرفتها عن تي تشينغ لكنني أضفت معلومة أخرى ابتكرتها بنفسي وتداولها بقية الأصدقاء ألا وهي أن اسمها يشبه كلمة " شاي صيني" باللغة الإنجليزية . جاء وقت الزيارة .. فقد وافقت على زيارتي له لئلا أقع في مصيدة التسلل الذي كنت أعتقد بأنه نصبها لي ليبعد عن نفسه تهمة الجفاء الذي بدأ بيننا . اتصلت به قبل أن أنطلق بسيارتي لأتأكد من رقم الشقة والطابق . كنت أبعد عنه مسافة نصف ساعة على الأقل من القيادة السريعة . وصلت إلى البناية .. صعدت .. فتح باب المصعد .. مشيت إلى اليمين .. بدأت بعد الأبواب ... كان الباب السابع في نهاية الممر.. وقبل أن أمد يدي لأضغط على زر الجرس فُتح الباب. تلك كانت اللحظة التي تعرفت بها على تي تشينغ . دعتني للدخول . استرقت النظر إلى الداخل أبحث عن ناصر فلم أجده ولم أسمع حتى أي صوت يدل على أن أحداً غيرها داخل المنزل . بدا عليَّ التردد في الدخول واضحاً عندما حاولت اختلاق عذرٍ كي أنسحب .. لكنها كانت مستعدة تماماً لموقف كهذا . يبدو أن ناصر أخبرها الكثير عني ، وكانت موقنة بأنني سأحاول أن لا أدخل في غيابه .. لذا بادرتني بأنه سيأتي في أية لحظة وهاهو الشاي قد أعد لثلاثة . كانت دعوة مرتبة .. فالشاي كان فعلاً ينتظر ثلاثة أشخاص .. وكان يبدو وكأنه قد أنزل لتوه من على النار . شعرت بأنني أغامر عندما خطوت إلى الداخل ، ليس لشيء سيء.. وإنما لإحساسي بأن تنازلاً ما قد بدأ وقد لايقف عند حدود . أغلق الباب .. ومازال البيت خالياً إلا من كلينا . وبانجليزيتها المكسرة دعتني للجلوس وأن أتصرف وكأنني في بيتي . ولأنني كنت سأبدو أبلهاً لو أنني بقيت واقفاً .. جلست ... ولكن كان واضحاً بأنني لاأتصرف وكأنني في بيتي . ففي بيتي كنت سأتنفس بهدوء أكبر وبعمق وباسترخاء أكثر . قالت لي وهي تسكب الشاي الأخضر بطريقة منمقة من إبريق خزف صيني بدا عليه القدم .. "هل تعرف لماذا بعث الله إلينا نحن البشر بأكثر من رسول ولم يكتف بواحد فقط .. كآدم مثلاً ؟ " لم أفهم السؤال في بادئ الأمر .. أولاً بسبب لهجتها .. وثانياً والأهم أنني كنت أتوقع منها أن تكسر الجليد بيننا بسؤالي عن أي شيء آخر .. عن الطقس .. عن عملي .. عن صداقتي مع ناصر .. عن أي شيء .. لكن ليس الدين . لم أرد الخوض في نقاش كهذا لأنني كنت أتوقع من ناصر أن يأتي في أي لحظة ، كما أُفهمت ، وأن نبدأ الكلام في مواضيعنا القديمة .. وموضوع كهذا يحتاج إلى ساعات من النقاش والجدال والرفض والموافقة و... وأيضاً لم أكن أريد أن أزعج ناصر بمواضيع أعرف أنه يكره جداً الخوض فيها وبالطبع سيتهمني بافسادي لهذه الزيارة ولن يصدق بأن صديقته هي التي بادرت بهذا الحوار فهو يعرف بأن هذه هي مواضيعي التي عادة ما أطرحها مباشرة أو أقود غيري لطرحها بدلاً عني ثم أستلم زمام ذاك النقاش . * " أنا مؤمنة جداً بأن الله لم يفعل هذا عبثاً وإنما لعلمه بأننا سننساه دائماً.. أليس كذلك ؟ " هي التي سألت أولاً.. وهي التي قدمت اقتراحاً لجواب .. وهي التي تسأل ثانية بطريقة لايمكن لي معها أن أتبنى التجاهل أوأن التزم الصمت وإلا سأبدو إما غبياً .. أو وقحاً .. وكلاهما مرفوض في عالمي . ** " أعتقد ذلك أيضاً .. وربما لأننا لسنا من النوع الذي يتقبل الحقيقة دفعة واحدة لذلك جاءت الأديان على شكل جرعات لتصل بنا إلى الإسلام " . * هل تعرف بأن كونفوشيوس كان يدعو إلى أشياء تشبه إسلامكم ؟ ** " أعرف بأنه كان لديه فلسفة جيدة حتى انها دعيت ديناً فيما بعد ، ولكن كانت تعاليمه ، على الأقل التي أعرفها ، مجرد صوت جميل .. يولد كمجرد صوت ويموت ولا يبقى منه سوى رجع صداه .. وأن دعوته للفضيلة والإيثار لم تكن تتجاوز حدود الرسم بالهواء على صفحات الفراغ . بالطبع أنا لا أقصد إلا أنه لم يكن واقعياً ولا عملياً .. على عكس إسلامنا. " * " لاتنسَ أن بين الإسلام وكونفوشيوس أكثر من خمسةٍ وعشرين قرناً .. أي أن الإسلام هو الإصدار الأحدث للأديان .. وعليه فهو .. أو على الأقل يجب أن يكون الأكثر تطوراً وملازمة للواقع. " ** " إذاً لم ذكرت لي كونفوشيوس وكأنه ند لديننا ؟ " * " فقط لتؤكد لي بنفسك بأنه ، رغم أنه عاش منذ الآف السنين ، يملك شيئاً يمكن أن يحترم لأجله حتى الآن .." ** " لاشك في ذلك ... ولا تنسي أيضاً أن الإسلام ، مع أنه آخر دين نزل ، فهو ليس بالدين الجديد ، فقد نزلت آياته منذ حوالي ألف وأربعمائة سنة ومع ذلك فهو متبع من الملايين ." * " أفهم منك بأن الماضي ليس منسوخاً بالنسبة لك ؟! " ** " لا .. لا أبداً . " * " ولا أنت بتارك للحاضر ؟ " ** " ومن يستطيع .. ؟ " * "وماذا عن المستقبل ؟ " ** " نحاول أن نتبناه ليكون أفضل من سابقيه ." * " أشعر بأنك تجامل كثيراً وتحاول الظهور بمظهر المثالي الذي لاتشوبه شائبة . " ** " أنا لاأمثل أبداً .. صدقيني . " * " يقول الإنجليز .. من قال لك صدقني .. فهو كاذب... مارأيك ؟ " ** " في بعض الحالات .. لكن ليس في حالتي هذه . " * " إذاً كيف تفسر كل تلك القطيعة مع ناصر ؟ أليس ذلك تملصاً من الماضي ونكراناً له ؟ فمن صوركما التي تملأ ألبوماته أستطيع أن أقول بأنكما كنتما صديقين حقيقيين .. والآن أراكما بحاجة لجدول مواعيد لكي تلتقيان لدقائق معدودة ثم مايلبث أحدكما بالاعتذار ليوافقه الآخر على الفور ودون تردد . هل هذا هو الماضي الذي تعتز به .. والحاضر الذي تتغلغل فيه .. والمستقبل الذي تتبناه ليكون أفضل ؟ أعتقد بأن كل مابنيتموه وتحاولون- شكلاً - أن يكون صرحاً سيبقى هشاً لأن مايبنى على هشاشة لابد وأن يكون هشاً مثله ." إذاً كانت كل تلك المقدمة استدراجاً لفخ وقعت فيه كفأر أبله .. ! مناورة محبوكة ربما مثل تمثيلية الشاي الذي أعد لثلاثة . الشاي الصيني .. كان هو ملاذي الوحيد لأهرب من محور عينيها المغنطيسيتين .. وارتشافي له كان حركتي الوحيدة التي ألهي بها نفسي منتظراً صاحبي المتغيب ومنشغلاً بها عنها .. صاحبة الشاي . عشر دقائق .. تقريباً .. كانت وقتاً طويلاً جداً . كنت في الماضي أحتمل تأخره أكثر من ذلك بكثير دون أن أشعر بثقل الوقت ، لكن تحت وطأة الهجوم المباغت والتوتر لابد وأن تكتشف بأن للوقت وزناً وأن تشعر بأن الدقيقة تصبح أكثر ثقلاً من الرصاص . كان استفزازاً . ربما كان استفزازها لي سبباً لإعادة النظر والتفكير في أمور بين يدي لكن غشاوة ما كانت تحجبها عن تفكيري . فعلاً .. إذا ما بني المستقبل على هشاشة فلا بد وأن يأتي هشاً هو الآخر . لكن لماذا يبنى على هشاشة إذا كان ماضينا صلباً . كنا مثل تؤمين مع اختلاف أشكالنا وميولنا . كنت أسمر اللون نحيل البدن وكان أبيض البشرة طويل القامة مكتنزاً . كان موسيقياً ولم أكن أحب الموسيقى ولا أفقه فيها شيئاً.. وكنت أجامله . كان دائماً يعيّرني بصوتي " النشاز " ومع ذلك أذهب إلى غرفته فوق سطح الدار لأستمع إلى أي شيء يفرضه علي .. فقد كنت أعرف بأنه يفضل الاستماع إلى الموسيقى مع شخص آخر ليكلمه عن الهارموني والتوزيع وأصوات الآلات وأسمائها . أما أنا فقد كنت أعشق الرياضة ولم يكن يطيقها .. كنت أتهمه بالخمول والكسل لعدم ممارسته لأية رياضة .. وكان يجاملني ويصر على مرافقتي إلى أي مكان لحضور أية مباراة أخوضها .. أحضرها .. أو فقط أشاهدها على التلفزيون . أين هي تلك الحلقة الهشة في سلسة تاريخنا .. هل هي فعلاً موجودة أم أنني حاولت خلقها من عدم ؟ ربما أرى نفسي مصليأ .. صائماً .. بعيداً عن الكبائر .. لكنني دون أي شك لست ذاك الروحاني الجليل صاحب الكرامات الذي تشع من وجهه أنوار السموات . ولاشك أيضاً بأن ناصر لم يكن من النوع الذي يفوت على نفسه فرصة إغواء إحداهن له .. ولا يمانع بأن يحضر أصدقاؤه فتياتهم ومسكراتهم لإقامة حفل رأس السنة عنده في البيت.. لكنه أيضاً ليس ذاك الساقط العربيد الذي لايستفيق من سكره .. والذي لا يترك شائنة إلا ويرتكبها فتراه غارقاً إلى قمة رأسه في كل أوبئة الجنس. طالما أنني متأكد تماماً بأنه لم يؤذ أحداً بسبٍ وشتمٍ .. وأنني موقن بأنه كان يهجر كل ملذاته في شهر رمضان وفي كل الأيام الفضيلة التي عادة ما يذكرني بها هو بنفسه .. وأنه إذا دعوته للصلاة فلا يمانع .. إذاً لماذا أصر أن أمثل معه دور الرقيب الرباني .. فأجد لنفسي دفتراً وأبدأ بتدوين كل فعائله دون أن أدون لنفسي زلاتها وأخطائها ؟ .. ياإلهي كم كانت واقعية لتسحب من تحتي عرش الألوهية ولتضعني في موقع العبد .. وكم كانت منصفة لتنزلني من منصة الحاكم لأنخرط بين جموع المتهمين لأجد أن صحيفتي لم تكن بأفضل حال من صحف الآخرين .. فيولد في أعماقي إحساس التعاطف وأبدأ بمسامحة الآخرين ليسامحوني بدورهم. المصالحة ..! نعم هي المصالحة ... تعرضها علي ... بل تفرضها بذكاء ... وأما بحديثها عن كونفوشيوس فلا أعتقد بأنها كانت تفرضه كبديل لأي دين .. بل كانت تطرحه كمثال عن المصالحة . لقد خلطت أوراق كل الديانات ثم بسطتها أمامي لأجد أن لادين أتى ليخالف الآخر وإنما البشر هم الذين خالفوا أديانهم فاختلفوا. تأخر ناصر .. اتصلت به .. اعتذر لانشغاله في عمل مفاجئ . شكرتها على الشاي .. وغادرت . وقبل أن أغادر مدخل بنايته أرسلت له رسالة إلى هاتفه النقال : " غداً مباراة مهمة .. سنحضرها معاً عندي في البيت .. أرجو من " تي " أن تحضر الشاي معها . " امتد طريق العودة أمامي كبساط لاينتهي .. فوجدَت أفكاري الوقت سانحاً لها للخروج . سألت نفسي .. ياترى هل يتزوجها ناصر ؟ ياإلهي...! هل عدت لأفرض شكل النهايات على الآخرين .. ؟ ! علي فؤاد عبد العال- الامارات LattakiaNews